هل قرأ الأزهريون ما قاله الإمام محمد عبده عنهم ؟

أرشيفية

2/2/2020 3:22:38 PM
ثقافة

هل يعرف أحد منهم أن «العقاد» قال الكلام نفسه منذ حوالى قرن ولكنهم لم يتعلموا الدرس حتى الآن؟

أشعر باستغراب شديد، وحيرة بالغة حين أطالع ما يُكتب على صفحات التواصل الاجتماعى دعماً وتأييداً لفضيلة الإمام شيخ الأزهر، تعليقاً على ما دار من حوار، واشتباك فكرى مع الدكتور محمد الخشت، رئيس جامعة القاهرة.. وهى تعليقات لا تختلف فى مغزاها عن حالة التصفيق التى شهدتها قاعة المحاورة والنقاش بين الرجلين.. حالة لا تختلف كثيراً عن حالة الأولتراس وشبابه من المشجعين فى ملاعب كرة القدم فى كونها دافقة ومستمرة حتى ولو لم يكن لها داعٍ أو مبرر.. والغريب أن ما يجوز فى أرض الملعب لا يجوز بأى حال من الأحوال فى قاعات الدرس، والنقاش، والمناظرة؛ حيث إنَّ المقام مقام عقل، وتأمل، وتفكر، وإعمال عقل، لا تشغيل أيد أو إطلاق صافرات..

كان الحوار بين «الطيب»، و«الخشت» حواراً راقياً ومهذباً وودوداً فى أغلبه، فإذا بالمتعصبين والمتشنجين يحولونه إلى قصف جبهة، وغسيل ومكوة، وانتصار، وهزيمة ساحقة ماحقة.. وكأنَّ الإمام كان يرد على قطب من الكفار أو ملحد يسعى لهدم الإسلام.. استفزتنى كذلك مشاركات وكتابات السادة المنتمين للأزهر حين حولوا الأمر إلى صراع بين الدين واللا دين.. ومن ثم تعالت نبرة الثقة والقوة عن عظمة الأزهر، ودور الأزهر وتاريخه العظيم.. ويعلم الله أننا نحب الأزهر، ونتمنى له من كل قلوبنا أن يبقى منارة للعلم والتنوير.. ومن منطلق هذا الحب نرى أن هؤلاء المشايخ ومعهم المصفقون، فالعالم بحق لا يصفق ولا يستخدم يده بل يُعمِل عقله، يعكسون حالة من التردى، وضعف الثقة بالنفس أكثر مما يحاولون إيهام الناس به من قوة وتماسك وثقة بالنفس.

وربما كانت القوة الوحيدة البادية عليهم جميعاً هى القوة الجسدية، فالحمد لله يبدون جميعاً، وقد آتاهم الله بسطة فى الجسم والعضلات، ولكن للأسف يقابل هذه البسطة ضعف واهتراء فى العقل والفكر وسعة الصدر والأفق.. فكلامهم غير مقنع ومكابرتهم فى الاعتراف بالقصور والتقصير غير مقبولة، وذعرهم واضطرابهم من كل دعوة لإعادة قراءة التراث مهما كانت مخلصة وعصبيتهم فى مقابة أى كلمة نقد يوجهها محبون للأزهر كل هذا يجعلنا نفقد الأمل فيهم لتصحيح المسيرة، والتأسيس لثورة فى الفكر الدينى يفيد منها الإسلام والمسلمون فى كل مكان فى الدنيا، وهم فقط لا يضيقون بالنقد، ولا ينظرون فى مضمونه، بل يأخذون منه موقفاً عدائياً يجعلهم يلجأون إلى أحط أساليب الحوار والرد، فيتهمون كل منتقد لهم، مهما كانت سلامة نواياه ومقاصده، بأنه يريد هدم الأزهر، وأنه جاهل بطبيعة دور الأزهر وأنه وأنه... إلى آخر القائمة من الاتهامات التى لا تختلف كثيراً، بل تتطابق تماماً مع تلك التى يوجهها المتطرفون من الجماعات والتنظيمات الدينية ضد كل من يخالفهم الرأى والتوجه.

وكواحد من المتابعين والمهتمين بالشأن الدينى فى مصر، وأحمل بداخلى احتراماً وتقديراً للأزهر كجامع وجامعة، لكننى وبدافع من المحبة، أرى أن كل النقد الموجه لأداء الأزهريين هو فى عمومه وفى مجمله صحيح إلى أبعد الحدود.

ويؤسفنى أن أقول إنَّ الأمل فى الشفاء مما يعانيه الأزهر يبدو ضئيلاً للغاية؟ لماذا؟ لأن ما يشتكى منه كتابنا اليوم، وما يرصدونه من مآخذ وأخطاء على رجال الأزهر، هى نفسها التى رصدها وفضحها رجال وأعلام لا يختلف أحد على عظمتهم وسمو نواياهم ونبل مقاصدهم.. ويكفى فى هذا الصدد أن نعود إلى ما قاله الإمام محمد عبده، والعملاق عباس محمود العقاد فى هذا الشأن؛ فالإمام محمد عبده، الذى عرف عنه أنه كان ثائراً على الفقهاء وعلى الأزهر، منتقداً أسلوب التعليم فيه، عندما سأله الشيخ محمد البحيرى: ألم تتعلم فى الأزهر وقد بلغت ما بلغت من طرق العلم، وصرت فيه العلم الفرد؟

فأجابه الإمام: إن كان لى حظ من العلم الصحيح الذى تذكر، فإننى لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنوات أكنس من دماغى ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة!

إنَّ هذا الرد الذى يبدو صادماً من الإمام، يوحى بأن الرجل كان يعى كون الخلاف بينه وبين المؤسسة الدينية العتيقة، ليس مجرد خلاف حول آراء أو حتى مناهج، إنما هو خلاف حول نسق فكرى وعقلى كامل ومتكامل، ليس محصوراً فقط فى أفكار يمكن تجنبها، أو مناهج يمكن استبدالها بأخرى، بل هو نسق يمتد ليستغرق ويغرق كيان الإنسان بأكمله بما فيه اللاشعور، فيصبح جزءاً من تكوينه بحيث لا يستطيع الانفصال عنه أو مفارقته.

ومن الإمام محمد عبده، ننتقل إلى المفكر والكاتب العملاق عباس محمود العقاد، صاحب العبقريات الإسلامية التى قدَّم من خلالها تحليلاً نفسياً فذاً وعميقاً لعظماء ومشاهير التاريخ الإسلامى.. فنراه يكتب مقالاً نارياً فى صحيفة الدستور يوم 28 ديسمبر 1908، ونص المقال موجود بالكامل فى كتابه (الإسلام والحضارة الإنسانية) الذى نشرته حديثاً دار نهضة مصر، وقد جاء فى كلامه: «الجامع الأزهر على قيد خطوة من الراكب والراجل، ولكنه على بعد ألف سنة من المفكر، وذلك لأنه لا يزال كما هو يلقى دروسه على النسق الذى كان يلقى به أفلاطون دروسه فى غابته وأرسطو بين تلامذته، وقد أغرى أساتذته بكل قديم، حتى لو علموا كيف كان يعلم آدم أبناءه لعدلوا عن خطتهم الحالية فى التعليم إلى تلك الخطة (خطة آدم)!

ويواصل «العقاد» نقده وتشريحه للأزهر: «أقيم الأزهر لغرضين: أولهما أن يحفظ ما عساه أن يندثر من آداب اللغة، وثانيهما أن يهدى الناس إلى أقوم السبل فى أمر دينهم، فهل هو قائم بهذه المهمة كما ينتظر منه؟ كلا: فإنَّ الإنسان يتعلم الأدب ليكون كاتباً أو شاعراً، ونحن لا نكاد نطبق أصابع اليدين على شعراء الأزهر وكتابه.. وما عهدنا فى الأزهريين من تصدى لتطبيق آية من القرآن على مشروع معاصر مفيد، ولا رأيناهم أتوا بشىء جديد غير ما أخلق جدته الزمن وأبلته الأيام».

ويتساءل «العقاد» بمرارة: «فهل هكذا يكون الأزهر؟ هل هكذا يكون المعهد الذى يؤمه طلاب العلوم الدينية من حيث تشرق الشمس ومن حيث تغرب؟ هل هكذا تكون المدرسة التى تضم بين جدرانها أكثر مما تضمه ثكنات الجنود فى القطر المصرى والسودان؟!».

ويجيب العقاد عن سؤاله وعن نفسه وعنَّا بنفس المرارة: «لا والله، ولو كان غاية ما يطمح إليه مؤسسه أن يكون على هذه الحال، لما استحق منا ومن المسلمين إلا أن يصفوه بالخرق والحمق وتبذير أموال المسلمين فيما لا يجدى».

ويضيف «العقاد» وكأنه يجلس بيننا الآن: «ولقد علمتنا الحوادث أن الأزهر لا ينقصه المال ولا معدات التدريس، وإنما ينقصه المدرسون الذين يحسنون تلقين الدروس على النمط الذى يفهمه المبتدئون... فقد علت شكوى الطلاب من المدرسين، وكيفية إلقاء الدروس، وما سمعنا طالباً يشكو قلة المال أو تفاهة المرتبات».

ثم يطرح «العقاد» حله الجرىء بكنس الأزهر من هؤلاء المدرسين الذين كانوا سبباً فى ضياع هذا الصرح العظيم فيقول: «فخير للمجلس الأعلى أن يشذب الأزهر من أمثال هؤلاء، وإن أدركتهم الشفقة بهم فليعين لهم دخلاً يتعيشون منه، وإلا فالمال ضائع هدراً، وخير أن تخسر عشرة آلاف جنيه فى معاشات العلماء المتقاعدين من أن تخسر كل اعتماد يُفتح من الآن إلى يوم الدين».

وفى كتاب آخر وهو (الأستاذ محمد عبده عبقرى الإصلاح والتعليم)، يقول «العقاد» عن مناهج الأزهر قبل تولى محمد عبده إدارته: «وكانت العلوم الحديثة محرمة لا تدرس ولا يُرضى عن طلابها فى غير الحلقات الأزهرية، وكانت علوم السلف التى تنسب إلى الفلاسفة أو المعتزلة قرينة بتهمة الكفر والزندقة».

هذه كانت مجرد شهادة صادرة عن عقل وقلب وضمير رجلين من أهم رجالات حياتنا الدينية والفكرية والثقافية، فهل قرأها رجال الأزهر فى الأمس البعيد أو فى الحاضر القريب؟

أشك؛ لأن دوام الحال كما هو عليه، يؤكد أن الأزهريين فى أغلبهم يضيقون بالنقد مهما كان وجهه ووجهته، ومهما كانت سلامة نواياه، ومن ثم فلا يعرفون إلا طريقاً واحداً فى الرد، وهو التشويه والتكفير والتشكيك فى الولاء الدينى، والحجة الجاهزة هى حماية الإسلام!

 

اليوم الجديد