جمال حمدان: مصر لا تنقسم.. وهذه حقيقة المؤامرات العالمية

جمال حمدان- أرشيفية

1/27/2020 4:20:15 PM
ثقافة

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

الصحراء مشتل الدين، والنيل للفلاحة، والمتوسط للملاحة

الجغرافيا في الجامعة تقليدية محنطة تفتقد لمادة الحياة

مصر القوية تقوم على الزراعة والعدالة وكرامة المواطن

منابع النيل ستهدد مصر بالجفاف.. وتآكلها الجغرافي يحتاج وقفة

مصر ذاقت ذل الحكم العثماني أربعة قرون ولن تكرره

إسرائيل ضيف هزيل لن يقوى أمام المراكز (تركيا-إيران-مصر)

الإسلام نجدة السماء للعرب ليعرفوا الحضارة
أقباط مصر"فلتة" وهم الأقرب لمسلميها ثقافيا

مصر لا يمكنها الاستغناء عن مثلث المتوسط والعرب  وإفريقيا

الغرب يتعامل مع اليهود بمنطق الابن الضال

الحكم الديني أسوأ دعاية للإسلام.. والاستعمار مسؤول عن تخلفنا سياسيا

الهيمنة والثقافة والسياسة الأمريكية.. سرطان يجتاح العالم

لم يكن جمال حمدان شخصية هذا العام في معرض القاهرة الدولي للكتاب، عالمًا في الجغرافيا فحسب، ولكنه كان عبقريا فذا وأديبا يصوغ عشقه في نبوءات صادقة مبنية على حقائق العلم والزمان والمكان..  ولا تزال كتب حمدان مرجعا مفتوحا لكل من يريد فهم مستقبل العالم أو حقيقة صراعاته ومراكز القوى فيه أو "شخصية مصر" وهو اسم موسوعته الأشهر،وارتباطها المصيري بدائرتها العربية والإفريقية.

ولقد كان الرحيل المفاجيء والظروف الغامضة التي اكتنفت رحيله صدمة شعبية، وتعددت الأقاويل بقتله على يد الموساد خاصة بعد اختفاء مسوداته عن اليهود بعد مقتله مباشرة، ومعروف أن حمدان اطلق أول نظرية علمية تثبت أن اليهود ليسوا بني إسرائيل الذين طردوا من فلسطين قديما، وأنهم غزاة أوروبيون، وكشف مخططاتهم وهيمنتهم على الإعلام الدولي..

لكن لحسن الحظ أن اوراق حمدان الخاصة كانت لا تزال موجودة بشقته المتواضعة التي ظل عاكفا فيها زاهدا للعلم، رغم كل العروض المغرية التي جاءته لتبوء مناصب عربية ثقافية، ورغم استقالته من جامعة القاهرة بعد أن ضاقت جدرانها آنذاك بآرائه الجريئة.. لكنه كان صادق الغيرة على وطنه مصر عارفا بأنها هبة النيل ولا حياة لها من دونه، وأنها البلد الوحيد الذي يستحيل تقسيمه بيد المتآمرين من حولها،ببساطة لانها البلد الأول بالمعنى الجغرافي والسياسي في العالم، وبالتالي فنشاتها نبتا طبيعيا بحتًا في الأرض وليس بمحض صدفة او حدث تاريخي أو سياسي، تزول البلد بزواله.

 وقد كان من شقيق الراحل الدكتور عبدالحميد حمدان أن يجمع تلك الأوراق التي تركها حمدان في كتاب أصدره عن دار الغد العربي وحاز قراءة عربية واسعة بأجزائه.

أن تكون جغرافيًا ..

يقول حمدان فيلسوف العلم: الجغرافيا كمادة خام فقط ثقيلة باردة، سامة، كالرصاص! فقط حين يسلط عليها شعاع الفكر تتحول إلى مادة شفافة مشعة ، ولولا تنوع العالم لأقاليم متنوعة شديدة الثراء في البشر والنبات والبيئات ولولاها لكان العالم مملا منفرا حد السخف.

وفي أوراقه الخاصة: لا يكون الجغرافي جغرافيا إلا إذا كان فيلسوفا و"حمار شغل"!! وبالرغم من أن العلم لا يمكن فعليا بلا جامعة أو مؤسسة بحثية أكاديمية، ولكن للأسف بمجرد دخول العالم إلى الجامعة يتحول لموظف، وهو ما ينطبق على الجغرافيا الجامعية التقليدية المحنطة.
 

وللأسف فقد ضاعت الجغرافيا بين من يرونها علما بحتا ومن يجعلونها فنا خالصا، وفقدت حقيقتها المرتبطة بالفكر والثقافة وليس حدود المكان فحسب، رغم أن أكثر الأنشطة في أصلها جغرافي كالسياحة والنقل، فهي استثمار في المكان، وما الدنيا إلا مسرح جغرافي كبير!

ويتنبأ حمدان بوحدة الجنس البشري بعد تنوعه في المستقبل، ويضرب لذلك مثلا وهو أوروبا قلعة الجنس الأبيض التي تسللت إليها جاليات أجنبية غفيرة من جنسيات شتى وغيرت بتركيبتها البشرية وجعلتها مختلطة في قرية كوكبية تجعل تلاحم الأجناس حتميا، وهو ما عرفته مصر مبكرا عبر أجناسها العديدة المختلطة ولهذا نرى الأبيض والأسود بتدرجاتهما.

الخوف على مصر

يدعو حمدان مصر لامتلاك مؤهلات القوى العظمى لأنها لو تراجعت ستتداعى عليها القوى الطامعة داخل قارتها وخارجها، والذين قد يحاربونها عسكريا.

وأكد الكاتب الراحل أن مصر مرتبطة ثقافيا بدوائر عربية إسلامية، وجغرافيا بالقارة السمراء ودول المتوسط، فلابد أن تقيم صلات متوازنة مع كل تلك البلدان، لاستمرار حيويتها ووجودها.

ويحذر حمدان من أن مصر تتآكل جغرافيا، وهو تآكل بحري وصحراوي، وازداد بعد بناء السد العالي، حين أوقف توسع الأرض أفقيا ورأسيا. كما حذر حمدان من ازدياد التلوث واكتظاظ القاهرة التي صارت خطرا حتى على نفسها، معتبرا أن "كل طوبة تبنى داخلها تعد جريمة"!  

كما يشير حمدان للصعيد محذرا من تهميشه اقتصاديا أو اجتماعيا لأنه قاعدة الأساس المصرية من الجنوب، وهو جزء من استراتيجية حماية الأطراف التي أهملها العالم العربي ككل فكانت سببا بظهور مشكلات حادة.

وتنبأ حمدان بالتنازع على مياه النيل بعد أن كانت مصر سيدة النيل، وقد أصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائي محدود وغير قابل للزيادة، وهو ما يهدد بشبح "الجفاف" إن لم تتحرك، خاصة في ظل "الطفح السكاني" الرهيب.

وبالتالي فإن حمدان يدعو للالتفات لحضارة مصر المبنية على البيئة منذ فجر التاريخ في اتصال حميم، فبدون الأرض والزراعة لا مستقبل لمصر، ولا مكان أو مكانة.

وحمدان يؤكد في أوراقه الخاصة أن مصر تاريخيا خضعت في عصورها القديمة لهيمنة الفرس (إيران حاليا) فيما خضعت أربعة قرون في تاريخها الحديث لهيمنة العثمانيين (تركيا حاليا) وظلت القوتان متناوئتان طامعتان في مصر، وقد ذاقت مصر ذلا كبيرا في ظل الحكم العثماني، ولا شك أن ذلك يلقي بظلال في علاقة البلدين خاصة مع الغطرسة التركية.


مصر.. "القوة والجمال"

والمشروع القومي المصري برأي حمدان لابد أن يستند لفكرة مصر القوية الكريمة، أي العمل، والإنتاج، المادي والسلعي، مع إعادة توزيع العائد بعدالة "الدولة العصرية" .

يقول حمدان: مصر هي القوة والجمال وهذا ما نريده، فصوت جميل ولكنه ضعيف لا يستمر، والقوة هي التحرر الوطني والسيادة والعزة القومية ونفي التبعية والصهيونية وأذيالهم، أما الجمال فهو عزة الإنسان المصري في دولته القوية.

تنبؤات حمدان المبكرة

الحضارة الإسلامية

يرى حمدان أن العرب خرجوا من الصحراء ودخلوا التاريخ بفضل الإسلام وكأنه قد جاءهم نجدة من السماء، وهذا لا يعني أنهم لم يمتلكوا ثقافة لكنها كانت ثقافة بدائية، ثم مع الفتوحات الإسلامية والتمازج مع العربان والأجناس المختلفة اكتسب العرب الحضارة وقدموا الدين للأراضي الجديدة التي وطاوها.

ولكن للأسف فقد تراجعت الحضارة الإسلامية ولم يعد لدينا غير التراث المكون من المساجد والجوامع والنصوص، وتقلصت القومية العربية وعادت مجرد ثقافة وليست حضارة.

والعالم كما يراه حمدان تقوده الحضارة الغربية بنسبة 100%، ولهذا فثقافتنا كمسلمين أو أقباط في مصر منقسمة بين الثقافة الغربية الحديثة والثقافة العربية الإسلامية السائدة في المنطقة، فضلا عن عناصر الوحدة في العنصر والأصل والتقارب الديني الذي يجعل مسيحيي مصر الأقرب لثقافة المسلمين في مصر حقا، ويؤكد حمدان أن الأقباط في مصر "فلتة طائفية" كما أن مصر "فلتة جغرافية". .

وللأسف فإن الغرب يتعامل مع اليهود ثقافيا بمنطق أنهم جزء منه جنسيا أو دينيا وحضاريا ، ولكنه جزء مشاغب كالابن الضال، فاليهود جنسيا أوروبيون وحضاريا أيضا وهم دينيا أيضا طائفة ناشز من المسيحية، على حين يجيء الإسلام كتناقض مطلق، ولهذا نرى الصراع ينشب سريعا في أول احتكاك غربي مباشر بالمسلمين.

ويرى حمدان أن أسوأ دعاية واكبر إساءة للإسلام هي الإسلام السياسي، بالمعنى الأصولي الذي يعني دولة دينية، بعكس المعنى الحميد الذي يساوي تحرير فلسطين أو توحيد العالم الإسلامي سياسيا.كما يعتبر حمدان أن الاستعمار مسؤولا عن تخلف المسلمين في ممارسة السياسة فقد كان يعتمد على رجاله المتأوربين ويترك للمسلمين الكتاتيب.

ويكشف حمدان كيف تلعب الهجرات دورا مخادعا دوما، فنرى مثلا أن جزر الملايو أو سنغافورة كانت مركز نشر الإسلام بجنوب شرق آسيا ولكنها كدولة حاليا تحوي أقلية ضئيلة للغاية إسلامية حاليا، بفعل تعمد تحريك كتل أجنبية من الصين والهند بوذيين وهندوس لتلك البقعة منذ القدم.

لكن يتنبأ حمدان بعودة قوية للمسلمين في نسيج العالم، مع الهجرات المستمرة نحو الشمال، وفي زمن كتابة تلك الأوراق كان نحو 80% من اللاجئين مسلمين، ودول مثل فرنسا يشكلون فيها نحو سدس التركيبة السكانية.

بين الدنيا والدين

يقول حمدان: البحر المتوسط مشتل الملاحة، والنيل مشتل الفلاحة، وصحراء العرب مشتل الدين.

وحمدان يؤكد أن الدين لا يكون دينا إن لم يكن دنيويا! وبالتالي علماني بحسب التعريف الشرقي لا الغربي، لأن المسيحية لا تحمل نصوصا تشريعية متداخلة مع الحياة اليومية مثل الإسلام. ولهذا فجسم المسلم في الدنيا ولكن روحه مع الدين الذي يشمل مفاهيم الآخرة.

وفي كلمات شفافة يقول حمدان: كانت الصحراء مشتل الأديان، والرعي مدرستها. والأديان الثلاثة في مثلثها لم تظهر لا في الصحراء المطلقة ولا المزروع بالكامل، بل على جهة التماس والالتحام بين القلب والجسد، ولو هبط الإسلام في مصر لاصبح نباتيا مزروعا بداخلها، ولما انتشر، ولم ينزل في الصين أقصى الدنيا ولا افريقيا الزنجية جنوبا.

ماذا فعل الغرب؟

يقول حمدان أن أوروبا الحالية تتجه للأمركة ، لا في ثقافة العولمة والهمبرجر ولكن في شيوع الرأسمالية ذات الطابع الأميركي الذي يتيح لصعلوك أن يصبح مليونيرا بفعل الحراك الاجتماعي الرهيب، بعكس برجوازية اوروبا التقليدية.

ويؤكد حمدان أن امريكا هي أول مستعمر يشعرن لصوصيته للأرض ويعتبرها حقا له وليست جريمة، وتعتمد امريكا في حكم العالم على شبكة وكلاء إقليميين وهي تشرعن علنا الإرهاب العالمي بزعم حماية أمنها ولهذا يصفها حمدان بسرطان العالم السياسي من حيث الهيمنة والانتشار.ولما كان الإعلام هو المتحكم الحقيقي في الشعب الأمريكي فإن إسرائيل المهيمنة على الإعلام هي التي تحكم الدولة الأمريكية.

ويعتقد حمدان أن الغرب تعامل مع المسلمين بمنطق المصلحة، فقد مصمصوا الشفاه أمام مذابح البوسنة والهرسك والتي راح الآلاف ضحيتها، تماما كما شاهدوا احتلال اليهود لفلسطين.

أما الأمم المتحدة فقد تحولت لقفاز القوى العظمى أمريكا، ولهذا يصف جمال حمدان النظام العالمي الجديد الذي دعا إليه بوش الأب ادعاء كاذبا لفرض سلامه الأمريكي.

ويرى حمدان ان تركيا تبحث عن السبنسة المنفصلة حين قفزت بشكل الضفدع في توسعها كامبراطورية عثمانية فهجروا وسط آسيا غربا وتوطنوا بالأناضول وقفزوا على إيران، فظلت سبنسة تركستان قائمة، والتفتت لتجد عربة حنطور إيرانية يقودها حصان نحو العرب، وبدأت الزعامة على من يقود العرب ويتزعم الشرق الأوسط.وقد استطاعت إيران تكوين تحالفات قوية مع الهند والصين وروسيا وباكستان واليابان فأصبح الصراع أحمى.

تشخيص الحالة العربية

في أوراقه، ينتقد جمال حمدان تأثيرات البترول السلبية في الفترة التي عاصرها، سواء البترول الذي يصفه بالشيعي ودورة المؤامرات الإيرانية وتصدير ثورتها، أو البترول السني الخليجي وفي جانب منه ارتفاع التدين المظهري ودعمه ومحاربة التطور.

ويعتبر حمدان أن العالم العربي والشرق الأوسط وأوروبا هم شركاء التاريخ البشري الفعال وبالتالي فانفصالهم مستحيل وتلاحمهم حتمي في وجه الهيمنة الأمريكية المجنونة.

يؤكد حمدان أن المغرب العربي بفعل حتمية التاريخ والجغرافيا كان مع الأسف ضعيف التكامل في كل شيء مع المشرق العربي، ولهذا سعى المغرب لبناء نفسه بمعزل عن هموم الشرق في ظل شكوته من تجاهله.

ويعتبر حمدان أن مشكلة فلسطين هي مشكلة العرب وتفرقهم الذي مهد لقيام دولة إسرائيل وأسهم بقوتها وباع للغرب أحيانا القضية والأرض برمتها، ويؤكد حمدان أن مستقبل القومية العربية يظل مرهونا بفلسطين.مع ذلك يرى حمدان أن إسرائيل دخيل هزيل في الشرق الأوسط، ومراكز القوى بين الغرماء الثلاث تظل كما هي: تركيا وإيران ومصر.

اليوم الجديد