أسرار المناضلة وعذراء الشاشة العربية في أوراق خاصة من مذكراتها

صورة أرشيفية

1/16/2020 5:53:55 PM
ثقافة

عائلتها أرستقراطية ذات تقاليد صارمة.. وجدها ثوري كبير نعاه كبار الزعماء،

أبوها تعرض لهجر العائلة بعد الزواج بابنة عمه وتقبله وظيفة حكومية.

درست بمدارس يهودية ومسيحية وجاء لها أبيها بشيخ يحفظها القرآن.

عرفت السينما خلال زيارتها وصديقتها لاستوديو بالصدفة.

حبست عامًا بعد اكتشاف أسرتها التمثيل وظلت تتحرك برفقتهم.

"جميلة أبوحريد" عرضها لمحاولة اغتيال وهجوم فرنسي

"أين عمري" حقق نجاحًا لافتا.. ومحفوظ أقنعها أنها لا تصلح لرواياته.

 

رحلت عن عالمنا اليوم الفنانة المصرية القديرة ماجدة الصباحي، عن عمر يناهز 88 عام بعد صراع طويل مع المرض، والتي ارتبطت أدوارها لدى الجماهير العربية بالفتاة البريئة والمناضلة الجريئة في أفلامها عن حرب أكتوبر والنضال ضد الاستعمار، حتى صارت أيقونة سينمائية يصعب تكرارها.

وسيرة ماجدة تشير إلى ميلادها في طنطا وقد حصلت على شهادة البكالوريا الفرنسية بدأت حياتها الفنية وعمرها 15 سنة، كانت بدايتها الحقيقية عام 1949 في فيلم الناصح إخراج سيف الدين شوكت مع إسماعيل يس.

دخلت مجال الإنتاج وكونت شركة أفلام ماجدة لإنتاج الأفلام حيث قدمت جميلة وهجرة الرسول، مثلت مصر في معظم المهرجانات العالمية، وحصلت على العديد من الجوائز من مهرجانات دمشق الدولي وبرلين وفينيسيا الدولي، كما نالت جائزة وزارة الثقافة والإرشاد.

وقد أصدر الكاتب الصحفي السيد الحراني أول مذكرات للفنانة ماجدة الصباحي، عن دار "سما"، بعد نحو 40 ساعة تسجيل لمذكراتها، وموافقتها بأعجوبة، لأنها كانت بعيدة تماما عن الصحافة.. والمذكرات تروي فيها ماجدة أسرارًا كثيرة عن حياتها إنسانيًا وفنيًا، وقصص الحب التي عاشتها، وقصص أفلامها المثيرة للجدل، وحياتها بعد الابتعاد عن الفن، ولكننا هنا نكتفي بشيء من أسرار بداياتها وبداية سطوع نجمها في عالم الفن..

نجمة الفن والإنسانية

قال عنها المخرج الروسي الكبير سرج جيراسيموف: ماجدة ممثلة عظيمة يندر وجودها بين ممثلات العالم، لأن التمثيل عندها طبيعة وليس تمثيلًا. 

تنتمي ماجدة لرواد الفن المصري في صناعة السينما في أوج قوتها، وكانت تعيش في حالة من نشوة الأداء داخل مشاهد "أين عمري، والمراهقات، وجميلة بوحريد، والسراب، والغريب، وقيس وليلى، وثورة اليمن، وأنف وثلاثة عيون، والنداهة، والحقيقة العارية، وهجرة الرسول، والعمر لحظة، وحواء على الطريق، وعندما يتكلم الصمت، ونسيت أني امرأة"، وأفلام كثيرة أخرى تنوعت أدوارها بداخلها ما بين تمثيل أو إنتاج أو إخراج أو كل ما سبق معًا.

كانت ماجدة أصغر منتجة في العالم عمرًا، حيث بدأت الإنتاج منذ أن بلغ عمرها العشرين عامًا، وتنبأت لها المنتجة الكبيرة "آسيا" بأن تصبح امتدادًا لها.

كان لماجدة رأي تبنته في أدوارها وهو انحيازها للعدالة الاجتماعية وحصول البسطاء على حقوقهم الشرعية، ومن أجل ذلك واجهت تهما من عينة أنها شيوعية!، رغم تأكيدها على أن ما تنادي به هو مبدأ أصيل في الشريعة الإسلامية التي تفخر بالانتماء إليها.

البداية..

اسمها الحقيقي هو عفاف علي كامل الصباحي، واشتهرت بماجدة الصباحي، وعائلة الصباحي من العائلات الكبيرة التي تعيش بمحافظة المنوفية، وكانت تمتلك الضياع والقصور الفخمة، فجدها لأبيها هو عبدالرحمن باشا الصباحي، عضو مجلس شورى القوانين في عهد الخديوي إسماعيل، ونفي معه، وكان هو المؤسس الحقيقي لعائلة الصباحي، وكان هذا الجد من بين ثوار عرابي وجنوده، ثم ازداد التنكيل الإنجليزي بعبدالرحيم ويوسف الصباحي وكانا من كبار المناضلين ضد الاستعمار، وفي أعقاب ثورة 1919 تم تجريد آل الصباحي من بعض أملاكهم وضياعهم الواسعة، وقد أظهرت الفنانة ماجدة لكاتب المذكرات صورة من تلغرافات تعزية مصطفى باشا النحاس وأحمد تيمور وفؤاد سراج الدين وعلي ماهر لرحيل جدها.

ولدت ماجدة في طنطا بتاريخ 6 مايو 1936 وكانت أصغر أخوتها الثلاثة، وشهدت انتقال الأسرة للقاهرة، بحي السكاكيني، ثم الهرم، والتحقت ماجدة بمدرسة يهودية في جاردن سيتي، وتعلمت فيها لغات مختلفة، ولكن جدتها لوالدتها أصرت أن تأتي لها الأسرة بشيخ يحفظها القرآن والصلاة لما لاحظته من ترديدها لصلوات اليهود صباحًا، ثم التحقت بمدرسة للراهبات.

وكان أبو ماجدة وأمها تربطهما صلة دم واحدة فهما من عائلة الصباحي، وأبناء عمومة، وجمعتهما قصة حب عنيفة، ورغم رفض العائلة لهذا الحب لما ترفضه التقاليد من إعجاب الفتاة بشاب بعيدا عن اختيار الأهل، هربا وتزوجا سويا وقرر الأب أن يكمل في وظيفته في ديوان طنطا قبل ان يترقى لوظيفة اكبر في المواصلات وينتقل للقاهرة، وواجه رفض العائلة لقبول وظيفة أيضًا، وترتب على ذلك حرمانهما من ميراثهما

ونشأت ماجدة في حياة صارمة، وكان أبوها كما تروي أشبه بـ"سي السيد" صاحب السلطان على البيت، والرهبة الكبيرة من أفراده، وكانت مدرسات فرنسيات تأتين لتعليم فتيات العائلة في القصر.

كان لالتحاق ماجدة بمدرسة داخلية أثر صعب عليها في البداية لحرمانها من أسرتها، وكان من طباعها أنها تطعم الفقراء معها في إجازتها، وكانت معجبة بأمها ووالدها  لأنهما حرصا على تكوين حياة جديدة رغم بعدهما عن ثراء العائلة،

ورغم أن طفولتها كانت تخضع فيها للأوامر من الجميع، فقد استطاعت أن تخرج على تقاليد العائلة وتحترف التمثيل بل والإنتاج مبكرًا.

كانت البداية مع صديقة بمدرسة الراهبات اعتادت ماجدة معها زيارة شركات السينما، كما شاهدت مع مدرستها استوديو شبرا، ومن هنا نما حبها للسينما، قد اختارها المخرج سيف الدين شوكت لأحد أفلامه ،وكان عائدا للتو من المجر، وكان فيلم "الناصح" وكان أجرها 100 جنيه، وقامت بالتصوير هربا من أهلها.ولكن أباها صمم على قتلها وطلق والدتها وترك المنزل ولم يعد إليه حين علم بأنها قد دخلت الوسط الفني دون علمه. وقد حبسوها في البيت عاما كاملا حتى أقنعتهم بقيمة الفن، وظلت تهب للتصوير بمرافق من الأسرة لمدة خمس سنوات.

علاقتها بنجوم الأدب

تكشف المذكرات ما ترويه ماجدة من أن نجيب محفوظ حين ذهبت إليه لعمل أحد رواياته كفيلم من بطولتها، ورغم إعجابه بأدائها التمثيلي وتغزله فيه، لكنه لم يقتنع لأن رواياته جزء كبير منها قائم على فكرة الأنثى المغرية، وهذا صعب مع شخصية ماجدة الهادئة الأرستقراطية، وكان الحديث بالتحديد حول شخصية "حميدة" في فيلم ميرامار.

كما التقت ماجدة بإحسان عبدالقدوس واشترت منه رواية "أين عمري" بالتقسيط، وصممت على تصويره وكان أول إنتاج لها وحققت نجاحا لافتا في وقت شهد ركودا للسينما .

ماجدة المناضلة

وكان لماضي عائلة ماجدة النضالي صدى في أفلامها التي عبرت عن الرفض للاحتلال الفرنسي للجزائر والأراضي العربية، كما تبنت أدوارا اجتماعية ترفض قمع المرأة في مجتمع شرقي.

وقد أثار فيلمها جميلة بوحريد عن المناضلة الجزائرية التي واجهت احتلال بلادها بشجاعة، هزة قوية في فرنسا، وكان السبب في صدور قرار بمنع عرض أفلامها في فرنسا، ومطالبة بعض السياسيين الفرنسيين بإعدامها، ومحاولة اغتيالها في لبنان، الفيلم الذي ظل حتى اليوم وثيقة ودليلا على وحشية العدوان والاحتلال على الأراضي العربية، وصحت جملتها الشهيرة "لقد ذهب الاحتلال الفرنسي وبقي للأبد فيلمي "جميلة" .

وبحسب المذكرات فقد رشح مجلس قيادة ثورة يوليو فيلم ماجدة "أين عمري" ليكون أول فيلم يمثل الدولة الجديدة "جمهورية مصر العربية" في مهرجان عالمي.

 

اليوم الجديد