الأذان الموحد..  عودة حرب الميكروفونات

صورة أرشيفية

1/14/2020 6:54:26 PM
تقارير

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

اقترحه «زقزوق» و«لوبى الأزهر» منع تطبيقه.. و«جمعة» يعيده

«الأوقاف» تحارب فوضى الأصوات.. والأزهريون: فكرة مستحدثة وتعطيل لسُنة نبوية مؤكدة

علماء: يعطِّل شعيرة من شعائر الله.. و«الأوقاف» ترد: نؤدى خدمة دعوية للإسلام

مع بدء تطبيق الأذان الموحد، الذى أعلن عنه وزير الأوقاف، الدكتور محمد مختار جمعة، فى ألف مسجد بالقاهرة الكبرى، مطلع العام الجارى، تجدد الجدل حول مشروعية تنفيذ الفكرة، ففى حين لاقت استحساناً من البعض، واصفين المبادرة بالاجتهاد الطيب؛ للقضاء على التلوث السمعى الذى يسببه بعض المؤذنين، وأنه جائز من الناحية الفقهية، واجهت هجوماً واسعاً بين الأوساط الأزهرية.

وكان وزير الأوقاف، قد أكد فى كلمته خلال اجتماع لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، خلال الأيام الماضية، أن الوزارة بصدد تطوير آليات العمل؛ لتطبيق الفكرة فى كل المحافظات، وأن الأذان الموحد يطبق خصيصاً لكل مكان جغرافى حسب وقت الأذان.

وعلَّق الشيخ جابر طايع، المتحدث باسم وزارة الأوقاف، رئيس القطاع الدينى، على الجدل السائد بعد دخول فكرة الأذان الموحد حيز التنفيذ، قائلاً: إنها تأتى للقضاء على فوضى الأصوات، والعشوائية، التى تتم من قبل بعض المؤذنين فى المساجد، الذين يؤدون الأذان بصوت غير مرغوب ينفر الناس ولا يجمعهم.

خدمة دعوية

وأبدى «طايع» تعجبه من الهجوم على الفكرة، موضحاً، أنه لا جدال فى مشروعيتها، بدليل عدم إنكار دار الافتاء وهيئة كبار العلماء لها، مؤكداً أنها خدمة دعوية لدين الله؛ لأن الوزارة تختار أفضل الأصوات بين المؤذنين.

وأضاف: الفكرة دخلت حيز التنفيذ الفعلى، بعد ما يقرب من نحو أحد عشر عاماً، من طرحه فى عهد الوزير الأسبق الدكتور محمود حمدى زقزوق.

وكانت الفكرة قد طرحت للمرة الأولى بمبادرة من الدكتور محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف الأسبق، وبدأ التطبيق الفعلى لها فى أواخر عام 2009، فى نحو 20 مسجداً بالقاهرة والجيزة والقليوبية.

وعزا مبادرته وقتها انطلاقاً من مهاجمته لما سمَّاه «حرب الميكروفونات»، فى المساجد، عقب استقباله العديد من الشكاوى بشأن تشغيل العمال ميكروفون المسجد قبل صلاة الفجر بوقت كبير، بشكل تتداخل فيه الأصوات بما يشبه حرب الميكروفونات، دون مراعاة مشاعر الناس، ورأى أن هذه الفكرة من شأنها أن تعيد للأذان قدسيته وروحانيته.

وقررت وزارة الأوقاف، وقف المشروع عام 2015؛ نتيجة ضعف الإمكانيات المادية والتقنية، هذا إلى جانب سرقة بعض الأجهزة المسئولة عن إذاعة الأذان خلال ثورة 25 يناير.

لكنَّ وزير الأوقاف، مع بدء التجربة مطلع هذا العام، أكد نجاح الوزارة فى إزالة كل العقبات مع الشركة المنفذة، وجرى التطبيق بالتعاون مع كلية الهندسة بجامعة القاهرة واتحاد الإذاعة والتليفزيون.

ورغم توافق العديد من القيادات الدينية على جواز هذه المسألة من الناحية الفقهية، وأنه لا دليل شرعياً سواء فى القرآن أو السُنة يعارض تنفيذها، منهم الدكتور نصر فريد واصل، مفتى الجمهورية الأسبق، والدكتور على جمعة، المفتى السابق، فإنَّ الفكرة لاقت معارضة وتنديداً واسعين بين الأوساط الأزهرية، التى أعلنت رفضها توحيد الأذان فى المساجد، استناداً إلى أن توحيد الأذان عبر إذاعته بصوت حى لأفضل الأصوات المختارة يعطل شعيرة من شعائر الله تعالى.

 وقال الدكتور طه نادى درويش، مدرس الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، إنَّ الأذان شعيرة من شعائر الإسلام به يصدح صوت الحق وينطلق به فى الأفق، معلناً دخول وقت الصلاة، مضيفاً: هذه الشعيرة لم تنقطع من زمن النبى صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا ظل المسلمون يحرصون على إعلانه على مدار الزمان، وأن القول بالأذان الموحد مخالف لصحيح السُنة.

ونوه «درويش» بفضل الأذان العظيم، كما أخبر النبى، صلى الله عليه وسلم، فى قوله «لو يعلم الناس ما فى النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، وقال «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة».

وأكد، أن الأذان سُنة مؤكدة عن النبى، صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم». مضيفاً: وقد أخبر النبى، أن الأذان أمانة عظيمة وثقيلة فقال الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، بمعنى أنه مؤتمن على الوقت دخولاً وخروجاً.

وقال أستاذ الفقه، إنَّ إذاعة الأذان الموحد عن طريق المسجل، فكرة مستحدثة؛ حيث تربط المساجد كلها بمسجل يؤذن فى نفس الوقت أو يؤذن مؤذن حسن الصوت فى مسجد من المساجد ويستقبل صوته بأجهزة معدة لذلك، رافضاً ما دافعت به الأوقاف من أن الأذان الموحد يأتى تلاشياً لبعض الأصوات المزعجة والرديئة فى بعض المساجد.

وأكد العالم الأزهري أن الفكرة قوبلت بالرفض من السواد الأعظم من العلماء المعاصرين، مشيراً إلى أنه حينما عرضت هذه المسألة على مجمع الفقه الإسلامى المنعقد فى مكة المكرمة فى دورته التاسعة سنة 1406 هجرية، رفضها ورأى أن فى توحيد الأذان فى المساجد محاذير شرعية.

وأوضح أن من بين هذه المحاذير، تفويت لسنن وآداب الأذان، وأنه يفتح على المسلمين باب التلاعب بالدين، وأن الاكتفاء بإذاعة الأذان فى المساجد عند دخول وقت الصلاة بواسطة آلة التسجيل ونحوها لا يجزئ ولا يحصل به الأذان المشروع، وأنه يجب على المسلمين مباشرة الأذان لكل وقت من أوقات الصلاة فى كل مسجد على ما توارثه المسلمون من عهد النبى صلى الله عليه وسلم إلى الآن.

ولفت «درويش» إلى أن هذا الرأى سار عليه كثير من العلماء المعاصرين كالدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء، وكذلك الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، وأنه لم يقل بجواز الأذان الموحد إلا قليل من العلماء، ولم يستندوا فى رأيهم إلى أدلة صحيحة يطمئن القلب إليها؛ لأن كل النصوص التى وردت فى تلك الشعيرة تدعو المسلمين إلى إعلانها، والقيام بها على أكمل وجه.

واستطرد: وإذا كانت حجج المجيزين لفكرة الأذان الموحد هى، نشاز الأصوات، وأخطاء بعض المؤذنين فى الأذان، وإهمال بعضهم، فإنَّ كل ذلك يمكن معالجته من خلال اختيار المؤذنين المناسبين وتأهيلهم عن طريق دورات مخصصة لذلك، وتكوين لجان لاختيار الأصوات الحسنة، وإذا صدر من المؤذن تقصير أو خلل فلا بد من متابعته وتأديبه بالوسائل النظامية المكررة.

واتفق معه فى الرأى، عبدالحميد الأطرش، الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر، قائلاً: «الأذان فى اللغة معناه الإعلان، وفكرة إذاعة الأذان الموحد فى جميع المساجد من صوت المذياع أو الراديو، لا تغنى عن وجود المؤذن».

ورأى أن من باب أولى إقامة الأذان فى كل مسجد، مشيراً إلى قول الإمام مالك «يندب الأذان، فى كل مسجد ولو تلاصقت المساجد»، مستدركاً فى الوقت نفسه إلى عدم وجود نص يحرم إقامة الأذان الموحد، وعليه فإنه يجوز من الناحية الشرعية.

اليوم الجديد