الاغتيال المؤجل.. الميليشيات السورية كابوس أردوغان

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان- أرشيفية

1/13/2020 7:36:08 PM
بلاد بره

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد

يفكر الرئيس التركى رجب طيب أردوغان فى الوقت الحالى، فى حل أكبر مأزق، يواجه حياته السياسية، وهو الخلاص من المقاتلين فى منطقة إدلب السورية، والذين من المنتظر أن يفروا خلال الأيام المقبلة إلى الداخل التركى.

وتعرض الرئيس التركى خلال السنوات الماضية إلى انتقادات حادة من أحزاب المعارضة، على خلفية دعمه الميليشيات المسلحة فى سوريا، وقد خسر «أردوغان» من شعبيته كثيراً جراء ما نسبته له القوى السياسية التركية، من تمويل وتسليح لهؤلاء المقاتلين.

يخشى الرئيس التركى أن تتحول بلاده إلى ساحة حرب بين المقاتلين السوريين، وأنصار المعارضة الذين يعتقدون أن وجود هذه الميليشيات فى تركيا سيكون سلاحاً بيد «أردوغان» يهدد بها خصومه.

ويفكر، أيضاً، قيادات الجيش أن هذه الميليشيات قد يتم استخدامها فى الداخل من قبل «أردوغان»، ضد القوات المسلحة النظامية، أو الشرطة فى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

مصادر قالت لـ«اليوم الجديد»، إنَّ المقاتلين الأجانب باتوا قنبلة موقوتة فى نظر الجيش التركى، كما أن «أردوغان» بات يخشى انقلاب هذه الميليشيات عليه؛ لأنه تخلى عنهم فى سوريا، أو أن يستخدمها طرف ثالث ضده؛ لأنهم مرتزقة فى حاجة إلى المال.

وفقاً لمصادر تركية وسورية، فإنَّ «أردوغان» والجيش اتفقا على حل وسط، وهو أن يقوم «أردوغان» بالاتفاق مع رئيس المجلس الرئاسى فايز السرَّاج فى طرابلس، ويهىء الأمور سياسياً لنقل المسلحين إلى ليبيا.

سيتحمل الجيش التركى على عاتقه نقل المسلحين من سوريا إلى ليبيا، للقتال بجانب السرَّاج الذى سمح لهم بدخول البلاد، وسيقوم بتزويدهم بالأسلحة.

اتفاق مشبوه

تقول المعلومات المتداولة من جانب المعارضة السورية، إنَّ أنقرة تعهدت بتقديم ألفى دولار شهرياً لمن يذهب للقتال فى ليبيا، وذلك فى محاولة لتحفيزهم على الذهاب والرحيل إلى طرابلس.

فى 24 ديسمبر الماضى، ذهب «أردوغان» إلى تونس؛ لكى يطلب من نظيره التونسى قيس سعيد، أن يتم نقل المقاتلين إلى مدينة جربة التونسية التى ستكون مركز عبورهم إلى طرابلس.

وظهر خلال الأيام الماضية عناصر من الميليشيات التركمانية السورية وآخرين من فيلق الشام بالتدفق إلى طرابلس، ولا يعرف أحد كيف وصلوا إلى المدينة فى ظل الحصار المفروض من قبل الجيش الليبى عليها.

ولا توجد تأكيدات أن تونس قد وافقت على نقل المسلحين من سوريا إلى ليبيا عبر جربة.

صفقة المدرعات

كشفت صحيفة الصباح المقربة من «أردوغان»، أن تونس وتركيا وقعتا على صفقة شراء مدرعات من أنقرة.

توقيت الإعلان عن صفقة الأسلحة بين تركيا وتونس مريب، ولا تفسير له إلا أن قرطاج حصلت على المدرعات من أنقرة فى مقابل الموافقة على عبور المقاتلين إلى طرابلس عبر «جربة».

سوء حظ «أردوغان»، أن معبر «راس جدير» الرابط بين تونس وليبيا تحت سيطرة الجيش الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر، أى أن عملية نقل الأسلحة أو المقاتلين لن تكون بسهولة التى يتوقعها «أردوغان».

الرئاسة التونسية أكدت، فى بيان لها، أنها لن تدعم أى طرف فى القتال الدائر فى ليبيا، ولن تسمح لأى طرف بانتهاك مجالها الجوى، لكن هناك اعتقاد أن الحكومة التى شكلتها حركة النهضة الإسلامية فى تونس لن ترفض دعم تركيا وجماعة الإخوان فى ليبيا، لا سيما أن زعيم الحركة ورئيس البرلمان راشد الغنوشى صديق شخصى لـ«أردوغان».

 من جانبه، يؤكد السياسى والقيادى السابق فى حركة النهضة التونسية مقداد إسعاد، أن دخول تركيا إلى ليبيا يحظى بقبول من «النهضويين ويثمنونه»، لكن هناك معارضة شديدة من القوى الأخرى وخاصة حركة الشعب الناصرية.

يؤكد «مقداد» لـ«اليوم الجديد»، أن النهضة ملتزمة بمواقف الرئاسة التونسية، ولا تريد أن تتعارض معها، لكن يظهر تعاطفهم فى البيانات التى يصدرونها بخصوص الهجمات التى تتعرض لها مواقع الوفاق فى طرابلس، وآخر هذه المواقف كان تنديدهم بقصف الكلية العسكرية فى طرابلس.

خدعة «أردوغان»

من المتوقع أن نقل هؤلاء المقاتلين إلى ليبيا سيتطلب بضع سنوات؛ لأن عددهم يتجاوز مئات الآلاف، ويعمل «أردوغان» على كسب مزيد من الوقت لتحقيق ذلك.

تظهر محاولة «أردوغان» لكسب الوقت لنقل المسلحين، فى الاتفاق مع نظيره الروسى فلاديمير بوتين على دعوة الجيش الليبى بعمل هدنة، ويظهر أن موسكو قد وافقت على ذلك لأنها تريد فرض سيطرتها مع الجيش السورى على إدلب، وتريد أن تتخلص من هؤلاء المقاتلين فى أقرب وقت.

أدرك اللواء حليفة حفتر الخطة التركية وهدف «أردوغان» من الهدنة، فأعلن الخميس، رفضه وقف القتال، حتى يتم تحرير طرابلس من قبضة الجماعات المتطرفة.

وبالرغم من أن تركيا وروسيا كانتا على طرفين متعارضين فى الحرب الأهلية فى سوريا، فقد عززتا العلاقات الاقتصادية والعسكرية فى الآونة الأخيرة. تتعاونان الآن فى شمال شرق سوريا؛ حيث تقومان بدوريات مشتركة، واشترت أنقرة أنظمة الدفاع الصاروخى الروسية العام الماضى على الرغم من المعارضة فى واشنطن.

الحكيم بلحاج الناقل الرسمى

تريد أنقرة وموسكو حماية مصالحهما الاستراتيجية فى ليبيا، حيث فقدتا عقوداً مربحة فى عام 2011 بعد الانتفاضة ضد «أردوغان».

 يتواجد، حالياً، فى تركيا القيادى فى جماعة الإخوان عبدالحكيم بلحاج، الذى كان قيادياً بتنظيم القاعدة، من أجل تسهيل نقل المقاتلين والأسلحة من أنقرة إلى مصراتة وطرابلس.

هناك نوع آخر من المقاتلين، وهم الليبيون الذى كانوا يقاتلون فى سوريا، وهؤلاء كان عددهم لا يتجاوز ألفى مقاتل، لكن الآن هم الآن أكثر بذلك بكثير؛ لأن معظمهم تزوج فى سوريا وأنجب، والآن سينتقلون إلى ليبيا.

 بلاك وواتر تركية

يخطط الرئيس التركى الآن لإنشاء شركة أمنية على غرار مؤسسة «بلاك وواتر» الأمريكية الشهيرة التى جندت الآلاف من المقاتلين قبل الحرب بالعراق وشركة فينجر الروسية.

 يمثل وجود هؤلاء المقاتلين خطراً كبيراً على أوروبا وسيكونون قادرين على عبور البحر المتوسط، والوصول إلى إيطاليا أو مالطا فى غضون ساعات قليلة.

فى ذلك اليوم، لن يتردد الأوروبيون عن التدخل فوراً فى ليبيا، ما يعنى أن الصراع فى ليبيا سيطول أمده فى ظل وجود هؤلاء المسلحين.

 اعطنى حدوداً

لدى «أردوغان» هدف ثانٍ من تدخله فى ليبيا، فقد وقع الرئيس التركى اتفاقاً مع طرابلس بترسيم الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس، ولا يوجد من الأساس حدود بحرية بين الدولتين، لكنَّ السرَّاج وقَّع على ذلك الاتفاق من أجل أن يحصل على المساعدة العسكرية من «أردوغان» لصد تقدم الجيش الليبى للسيطرة على العاصمة.

ووفقاً لوكالة بلومبرج الأمريكية، فإنَّ «أردوغان» لن يستطيع أن يحقق نصراً على حفتر؛ بسبب عدم قدرة سلاح الجو التركى على الطيران مسافة 1500 كيلو إلى ليبيا لحماية جنوده على الأرض.

تقول الوكالة، إن «أردوغان» يستخدم السرَّاج فقط من أجل الضغط على اليونان للوصول إلى اتفاق سياسى حول ترسم حقيقى للحدود فى البحر المتوسط.

وتشير الوكالة إلى أن «أردوغان» سيتعرض لمخاطر ذات شقين؛ أولهما هناك خطر محلى، فعلى عكس من العملية العسكرية فى سوريا، لا تحظى خطته فى ليبيا بدعم شعبى كبير.

فى استطلاع جديد أجرته شركة Istanbul Economics Research ، وهى شركة استطلاع، أيد 34٪ فقط من المشاركين قرار التدخل فى ليبيا، بينما عارضه 58٪. يمكن أن يكون للحملة المطولة فى ليبيا عواقب سياسية وخيمة فى الداخل، خاصة إذا كانت هناك خسائر تركية فى الأرواح.

الخطر الثانى هو مدة قدرة الجيش التركى على القتال فى ليبيا؛ حيث لم توافق تونس أو الجزائر على السماح لأنقرة باستخدام المجال الجوى، لذلك لن تستطيع أنقرة توفير احتياجاتها اللوجستية لجنودها على الأرض.

تقول وكالة بلومبرج، إنَّ أكبر عامل لخسارة «أردوغان» فى ليبيا ستكون مصر، التى ستتفوق على أنقرة فى السلاح الجوى؛ بسبب قرب القواعد المصرية من منطقة العمليات.

وفقاً لوكالة الأناضول يخطط «أردوغان» لنشر مستشارين ومرتزقة فى مثلث (الخمس – زليتن - مصراتة)، وسيكون هناك حماية بحرية لهذا المثلث .

 أطماع اقتصادية

لدى «أردوغان» هدف ثالث للتدخل فى ليبيا، وهو الأطماع الاقتصادية، إذ تظهر الأرقام أن أنقرة تحقق أرباحاً خيالية من خلال شركاتها العاملة فى المدن الليبية.

فى مارس 2019 كشف مدحت ينيغون، رئيس رابطة المقاولين الأتراك، لوكالة أنباء «الأناضول»، أن قيمة المشروعات التركية المتوقفة فى ليبيا تناهز قرابة 19 مليار دولار، فضلاً عن مستحقات وتأمينات لهذه الشركات تبلغ قيمتها 1.7 مليار دولار.

 وذكر أن حجم الخسائر والأضرار التى لحقت بمعدات هذه الشركات فى ليبيا بلغ 1.3 مليار دولار، وأن هذه الشركات تنفق 50 مليون دولار سنوياً لتسديد خطابات الضمان.

لذا يريد «أردوغان» أن تعود الشركات المتوقفة للعمل مرة أخرى فى ظل حماية المرتزقة، والذين سيحصلون على مبالغ مالية من خلال هذه الشركات.

وكشفت جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين الأتراك، عن أطماع أنقرة صراحة بإعلانها الشهر الجارى، أن الحكومة تخطط لرفع صادرات تركيا إلى ليبيا بأكثر من 571 فى المائة، لتصل إلى 10 مليارات دولار، مقابل نحو 1.49 مليار دولار فى 2018.

وقالت الجمعية، إنَّ صادرات تركيا إلى ليبيا تشمل الملابس والأثاث، والمواد الغذائية، وقطع غيار السيارات، ومستلزمات البناء وغيرها من القطاعات الأخرى، وتتوقع أن ترتفع قيمة الصادرات التركية إلى ليبيا بنسبة 50 فى المائة لتصل إلى 3 مليارات دولار فى 2020.

وتابع: «ليبيا بالنسبة لنا بمثابة البوابة المفتوحة على مصر وتونس والجزائر وأفريقيا الوسطى، وفى حال اغتنام هذا الجانب بشكل جيد، فإنه من الممكن رفع قيمة صادراتنا إليها، لمستوى 10 مليارات دولار».

 وأشار إلى أن السوق الليبية تُعدّ من أوائل الأسواق الخارجية التى بدأ المقاولون الأتراك النشاط فيها خلال سبعينيات القرن الماضي، فى بدايات انفتاحهم على الأسواق الدولية، وأن حجم المشروعات التى نفذها المقاولون الأتراك فى ليبيا، منذ تلك الفترة، بلغ 29 مليار دولار.

 أموال هاربة

فى العام الماضى، كشفت وسائل إعلام تركية، أن البنك المركزى الليبى فى طرابلس يقوم بتحويل وإيداع أموال الدولة فى أحد البنوك التركية، وهو ما يعد مكسباً كبيراً لـ«أردوغان» ولحكومته التى تعانى من اقتصاد هش فى الوقت الحالى.

اليوم الجديد