مسجد أبو هندي بالرديسية 3 قرون من العبادة
مسجد أبو هندي.. شاهدة على تاريخ أسوان
في أقصى جنوب مصر، وعلى أرض أسوان التي ارتبط تاريخها بالنيل والحضارة والعمران، تقف مساجد قديمة شاهدة على حكايات أجيال تعاقبت عليها، حملت بين جدرانها أصوات المصلين وطلاب العلم، وكانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية لأهالي القرى والمدن.
ومن بين هذه المساجد يبرز مسجد أبو هندي بمدينة الرديسية التابعة لمركز إدفو، أحد المساجد التاريخية التي تحمل قيمة دينية ومعمارية خاصة، بعدما احتفظ مبناه بملامح تخطيطية تعود إلى أكثر من ثلاثة قرون، فيما ظل دوره ممتدًا من إقامة الشعائر إلى تحفيظ القرآن والمشاركة في الحياة الاجتماعية لأهالي المنطقة.
لوحة حجرية تروي بداية الحكاية
قال الدكتور محمد حازم، وكيل وزارة الأوقاف بأسوان، لا يحتاج الباحث في تاريخ المسجد إلى البحث بعيدًا عن الدليل، فإحدى أبرز الشواهد التاريخية معلقة أعلى واجهته الشرقية، حيث توجد لوحة تأسيسية حجرية تؤرخ لإنشائه سنة 1118هـ.
وكتبت اللوحة بالحفر الغائر بالخط الكوفي المنقوط الشعبي، وتحمل نصًا يبدأ بالبسملة وآية: «إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا من الله»، ثم تشير إلى بناء المسجد في سنة 1118هـ، وتذكر اسم عليان عبد النبي هندي باعتباره صاحب الوقف.
وتمنح هذه اللوحة المسجد قيمة توثيقية مهمة، إذ لا تسجل تاريخ البناء فقط، وإنما تحفظ اسم الشخص الذي ارتبط اسمه بتأسيس المسجد ووقفه، لتبقى شاهدة على مرحلة من تاريخ العمران الديني في المنطقة.
اهتمام أثري يكشف قيمة المكان
وتابع الدكتور محمد حازم: لم تقتصر أهمية مسجد أبو هندي على كونه مسجدًا قديمًا يؤدي فيه الأهالي الصلاة، وإنما لفتت عناصره التاريخية والمعمارية انتباه المتخصصين ولجان الآثار.
وشهد المسجد زيارات من عدد من لجان الآثار للوقوف على حالته وقيمته التاريخية، كما زارته عام 2000 البعثة اليابانية برئاسة الدكتور «كاواتوكو»، رئيس بعثة آثار مركز ثقافة الشرق الأوسط اليابانية، في إطار الاهتمام بدراسة العناصر المعمارية والتاريخية للمسجد.
ويكشف ذلك عن أن المبنى لم يكن مجرد أثر محلي معروف بين أهالي الرديسية، وإنما أصبح محل اهتمام من المتخصصين في دراسة العمارة والتراث.
تخطيط عمراني بسيط.. وتفاصيل معمارية مميزة
وكشف، أنه عند النظر إلى تخطيط مسجد أبو هندي، تظهر ملامح معمارية تعكس نمطًا تقليديًا ارتبط بالمساجد القديمة، حيث يشبه تخطيطه نمط المساجد العمرية.
وأوضح، أن مساحة المسجد تبلغ نحو 13 مترًا × 13 مترًا تقريبًا، وله مدخلان يقعان بالواجهتين الشرقية والغربية، بينما يتوسطه صحن تحيط به أربع ظلات.
وتتكون كل ظلة من رواق يحمل قبة برميلية، ترتكز على أكتاف من الطوب الآجر، وتتصل هذه العناصر بعقود تشرف على الصحن الأوسط، في تصميم يجمع بين البساطة في التخطيط والتنوع في التفاصيل المعمارية.
أما جدار القبلة، فيضم ثلاثة محاريب من الطوب الآجر، وهي من العناصر التي تضيف إلى المسجد خصوصيته المعمارية، وتكشف عن طبيعة مواد البناء والأساليب التي اعتمد عليها القائمون على إنشاء المسجد في تلك الفترة.
منبر للقرآن ومجلس لأهالي المنطقة
وأشار إلى أنه على مدار تاريخه، لم يكن مسجد أبو هندي مكانًا لأداء الصلاة فقط، وإنما ارتبط بحياة الأهالي بصورة أوسع، فقد ارتبط المسجد بتحفيظ القرآن الكريم، وكان مقصدًا لأبناء المنطقة لتعلم كتاب الله، كما تحول إلى مساحة يلتقي فيها الأهالي لمناقشة شؤونهم الاجتماعية.
وفي أوقات الخلافات والنزاعات، ارتبط المسجد بعقد المجالس العرفية والمساهمة في تقريب وجهات النظر وحل المشكلات بين أبناء المنطقة، وهو دور يعكس طبيعة المسجد قديمًا باعتباره جزءًا من النسيج الاجتماعي للقرية، وليس مبنى منفصلًا عن حياة سكانها.
كما كان الأهالي يجتمعون داخله وفي محيطه خلال الأعياد والمناسبات الدينية، لتتجاوز وظيفته حدود العبادة إلى المشاركة في المناسبات التي تجمع أبناء المجتمع الواحد.
2022.. ترميم يحافظ على ذاكرة المكان
وأضاف وكيل وزارة الأوقاف، أنه مع مرور السنوات، احتاج المبنى التاريخي إلى أعمال صيانة وترميم تضمن الحفاظ على مكوناته وإتاحة استمرار دوره في خدمة المصلين.
وفي عام 2022 شهد مسجد أبو هندي أعمال صيانة وترميم، بلغت تكلفتها نحو 392 ألف جنيه، بينما بلغت مساحة المشروع وفق بيانات أعمال الصيانة والترميم نحو 135 مترًا مربعًا.
وجاءت أعمال الترميم في إطار الاهتمام بالحفاظ على المساجد ذات القيمة التاريخية والمعمارية، بما يسمح باستمرار استخدام المسجد في أداء رسالته الدينية، مع الحفاظ على ما يحمله من ملامح وذاكرة عمرانية.
مسجد تغيّرت حوله الأجيال.. وبقيت رسالته
ثلاثة قرون تقريبًا تفصل بين تاريخ تأسيس مسجد أبو هندي في سنة 1118هـ وبين واقع المسجد اليوم، وخلال هذه الفترة تغيرت تفاصيل كثيرة في حياة المنطقة، وتعاقبت أجيال على المكان، بينما بقي المسجد حاضرًا في المشهد الديني والاجتماعي.
وتظل قيمة مسجد أبو هندي في اجتماع أكثر من عنصر داخله؛ وثيقة تأسيسية عمرها قرون، وتخطيط معماري مميز، واهتمام أثري، ودور ديني واجتماعي ارتبط بأهالي المنطقة.
ويشار إلى أن مسجد أبو هندي يقع بمدينة الرديسية التابعة لمركز إدفو بمحافظة أسوان، ويعد من المساجد التاريخية التي تحمل قيمة معمارية وتاريخية، فيما شهد أعمال صيانة وترميم عام 2022 للحفاظ على المبنى واستمرار دوره في خدمة أهالي المنطقة.