اللامنتمي.. الأنفصال عن الواقع هل يقلل من أضراره؟

3/19/2020 1:22:31 AM
526
كتاب اليوم الجديد

نرمين نعمان


Detachment
 

إنفصال أو Detachment  .. فيلم هام عُرض عام 2011 لم يحظي بالأهتمام التجاري الكافي أو أهتمام المشاهد لكنه حظي بأهتمام النقاد و أستحق عديد من الجوائز أستقرت في جعبته بآخر العام.
تعاني المجتمعات حالياً بأختلاف جنسياتها و ظروفها من خلل واضح يضع الأنسان في صراع و ألم دائم قد يجبره يوماً ما بالأنفصال نفسياً عن كل ماينتمي إليه متوهماً الوصول لراحة حتي لو مؤقتة .. لهذا أخترت عرض هذا الفيلم و تحليله لأنه سوف يلمس شعور ما بداخل كل منا رغم بُعد الموضوع الظاهري للفيلم عن أهتمامتنا و أختلاف ثقافتنا عنه.
فلنبدأ بالمخرج أولاً رب العمل والحديث عنه سوف يفسر السر في هذه التجربة الهامة و هو المخرج المخضرم بريطاني الأصل توني كاي Tony Kaye  مواليد 1952، وضع بصمات مميزة و مختلفة خلال حياته السينمائية الطويلة و نهج أسلوبه الخاص المتميز ببساطة السرد و الحكي و صعوبة التنفيذ في ذات الوقت فنجد أهمها و أشهرها ( التاريخ الأمريكي x ) عام 1998( The American History X ( و أيضاً فيلمه الوائقي المثير للجدل و الذي أستمر العمل فيه 18 عاماً !
فيلم ( بحيرة النار ) عام 2006 The Lake of fire )) عن قضية الأجهاض في المجتمع الأمريكي. 
تحمس المخرج الشهير لتجربة كارل لند Carl Lund  الأولي في الكتابة و الأنتاج و التي لا تزال الوحيدة سينمائياً  إلي الآن مما يدل علي وجود شيء نادر رآه المخرج ببعد نظرة في هذة التجربة الإستثنائية بخلاف موهبة الكاتب / المنتج الواضحة لكن عمله أيضاً كمدرس سابق لسنوات عديدة تجعلنا بصدد مشاعر و تجارب حياتية حقيقية في مثل هذا الفيلم الهام.
أختيار الممثلين ( Casting ) كان بمثابة أحد أهم عناصر تميز هذا الفيلم فالبطل هو الممثل الأمريكي المتميز أدريان برودي Adrian Brody  الحائز علي جائزة الأوسكار عام 2002 عن فيلم ( عازف البيانو )   ( The pianist ) و أيضا المشهور بأدواره المؤثرة في فيلم ( أوتيل بودابست الأكبر ) عام 2014                    Budapest Hotel ) Grand ( The و أيضاً فيلم ( الشخص الثالث ) عام 2013 ( Third Person ) 
 و أعتقد ما ساعد أيضاً علي هذا الترشيح و الأداء الممتع و الذي يعد فعلاً من أفضل أدواره أن والد أدريان كان يعمل في حقل التدريس أيضاً و لا أظن أنها من محض الصدفة بل أسهمت في أنغماس أدريان قلباً و قالباً في شخصية بطلنا (هنري) المدرس البديل لدرجة الذوبان فأنت كمشاهد ستنسي أنك أمام ممثل شاطر بل ستصدق أنك تعايش هنري الحقيقي في كل نَفَس و شعور وحركة. 
حاز الفيلم علي جوائز عديدة، جائزة النقاد و جائزة الوحي في مهرجان دوفيل للفيلم الأمريكي و أيضاً جائزة الجمهور لأفضل فيلم أجنبي في مهرجان سان باولو العالمي و أقتنص جائزة أفضل إسهام فني في مهرجان طوكيو العالمي للفيلم و جائزة هونوراري مافريك في مهرجان وودستوك للفيلم الأمريكي و العديد من الترشيحات القيمة الأخري .. فنحن بصدد فيلم هام، جاد و مؤثر. 

يبدأ الفيلم ببداية وثائقية ممزوجة بلوح أنيمشن تكاد تكون طفولية تسرد أحوال الطلبة و المدرسين داخل مدرسة عامة بأحد الضواحي الأمريكية المنهارة إجتماعياً .. فتشعر أنك أمام فيلم رتيب يكاد أن يكون ممل يروي مأسى الطلاب و دنو ظروفهم الحياتية ثم ينتشلك الكاتب و المخرج عنوة و ببراعة لتكتشف خطائك الفادح و يأسرك مع الأبطال بكل سلاسة بداية مع هنري المدرس المؤقت .. كل شيء بحياته عبارة عن فترة مؤقتة لا تمنحه القدرة علي التأثير و في نفس الوقت تحميه من التعلق بأي شيء أو أي شخص.
و من خلال سرد هنري نفسه لحكاية الفيلم تتخلله بعض مشاهد قديمة لحياته الطفولية التي يشتاق إليها لكنه يخشي الأقتراب منها .. فما فائدة التعلق بشيء فني و أين المتعة بالتواجد في حياة زائلة . 
موهبة المخرج السابقة بالسرد الوثائقي أدت لنجاحة ببراعة  في تقديم حالة ساحرة من الإنسجام و التوازن بين المزج السينمائي الدرامي و الوثائقية .. حالة فريدة لا أتذكر رؤيتها من قبل تجعلك تعيش الواقع و الحقيقة بكل حواسك و تتمتع بروعة الدراما و السينما في نفس الوقت و تنقل بارع أداره مونتير ممتاز. 
و يستكمل المشاهد شعورة بالمفاجأة حين يجد أن الفيلم يوضح الوجة الآخر للعملة و هو معناة المدرس ذاته و دخولة داخل سجن المنظومة التعليمية العقيمة بكامل إرادته و الإنحدار في دوائر مفرغة و مستمرة من الضغوط التي يتم ممارستها عليه من قبل الحكومة لتقديم نتائج ممتازة لطلبة ليس لديها أي أساس نفسي أو تربوي قبل التعليم و ضغوط غير محتملة تصل عادة لحد الإهانة من أهالي الطلبة الغير مكترثين مطلقاً بأبنائهم و يلقون اللوم دوماً علي المدرس و تقع الأبناء ضحية هذه الدوائر المهلكة و تتأزم الصراعات بشكل يومي حتي يجد المدرسين نفسهم محاصرون خلف السياج حتي يتمنون الأختفاء، فهم غير مؤثريين و بالتالي غير مرئيين بالمرة.
أدت دور ناظرة المدرسة الممثلة مارثيا جاي هاردن ببراعة ملفتة تستحق الإشادة فهي كانت شبيه لكل من تديرهم تحت منظومتها، تجيد بامتياز حيلة إنكار الواقع و التشبث بالصورة البراقة المزيفة كي لا تواجه الحقيقة و لكنها لا تلبث أن تنهار داخلياً و تشعر بانعدام وجودها خصوصاً عندما نري حياتها الشخصية الأكثر زيفاً في مشهد مؤثر مع زوجها الذي هوي بزهريتهم المفضلة،القيمة الجميلة الخاوية الهشة لتتفتفت بسهولة كما حياتهم الآيلة للسقوط بأي لحظة. 
ثم نتعرض لكل مدرس علي حدى في مشاهد بسيطة لكنها تلقي بداخلنا معاناه كل منهم في حياته الخاوية و التي لا يجد لها بديل غير بالتمسك بعمله بهذه المنظومة التعليمية الكارثية مهما كانت العواقب – كما في متلازمة ستوكهولم هذا المرض النفسي المتلخص في التمسك بمصدر الأذي و التعلق به دون المخاطرة في إصلاحه خوفاً في زواله و الخوض في الأسواء منه. 
لعب الديكور و زوايا التصوير أدواراً  لا تقل براعة عن الممثلين ذاتهم في كل مشهد.

 

 

تم أستخدام القضبان الحديدية و تفصيلها في ديكور المشاهد المختلفة ببراعة في أشكال عدة لتعبر دائماً عن إحساس السجين و معاناته الغير مرئي بداخلها.
منزل المدرس ذو السقف المنخفض فيكاد ينعدم النَفس من الدخول أسفله و زوجته التي لا تراه في مشهد صامت لكنه يعني الكثير و أيضا مشهد ناظرة المدرسة و هي تؤدي عملها بأكمل وجه و تتحدث في الميكرفون بثبات و لباقة لجميع هيئة التدريس لكنها منهارة علي الأرض بجانب خاتم زواجها الملقي جانباً .
مشاهد قليلة الأحداث كثيرة البساطة و عميقة التأثير.
حالات من الأنهيار الصامتة و المؤثرة بجدران المدرسة و كل من فيها.
      

ثم نستكمل سرد هنري لأحوال الطلبة الضحايا في آخر الأمر و يلقي الضوء علي مشكلة التنمر و لكن ليس بشكلها الممل المعتاد لكن من خلال طالبته ( ميرديث ) التي تعاني تجاهل والدها لها و لموهبتها في التصوير و يستمر في إذئها لفظياً حتي تصبح تهرب لاشعورياً بإذاء صحتها بالبدانة و يزداد تنمر كل من حولها و السخرية من شكلها فتزداد بدانتها و لا تجد من يراها كأنسانة أو يشعر بها غير المدرس المؤقت هنري الذي يقضي مجرد شهر في كل مدرسة كمدرس بديل، لكن هنري يشعر بخواء رهيب و دائماً يري أنه لا يوجد شيء بداخله كي يعطيه لأي إنسان .. 
تنتهي قصة ( ميرديث ) بألم بالغ و بنفس أداة هروبها من الواقع و إذائها لروحها في قسوة بشعة أمام هنري و يظل السؤال يحيره .. أيوجد بداخله شيء يصلح لمساندة إنسان آخر.

وعلي خط متوازي و سيناريو بارع نتعرف علي حياة هنري الشخصية و التي لا يبوح بها حتي لذاته.
فهو يحاول بكل طاقته أن يعيش حياة آمنه لا تحتمل أي تعلق أو تطور كأنه يحترم خوائه و يسعي للحفاظ عليه حتي تقتحم حياته مراهقة شابة ضائعة تُنتهك آدميتها في الشوارع يومياً فلم يستطيع أن يتركها ويقرر أن يأويها بمنزله.
قامت بهذا الدور المؤثر الممثلة الشابة سامي جيل و كانت من أجمل أنواع العلاقات في الفيلم خصوصاً في تطورها و استسلام هنري لوجود دفأ مفاجيء بمنزله الثلجي الأبيض صامت و بارد الجدران و حيرته و استغرابه بقدرته بل رغبته علي وجود إنسان في حياته يحتاجه و يعتني به و يقدم له كل هذا الدعم و لكن للأسف عندما شعر بتعلقه بهذه الطفلة الشابة و تعثر بين مشاعر الأبوة و هوس التعلق أرغم نفسه علي الفرار و نزع و مزق هذا الترابط في مشهد يعد الأقوي في الفيلم .. أدته سامي جيل أو ( أريكا ) بإقتدار أما هنري فكان أروع باستخدامه أدواته الداخلية من مشاعر و أحاسيس فرضت نفسها علي نظراته و نبره صوته بل أنفاسه و حركاته الجسمانية في شكل لا إرادي طوال الفيلم و تألق في رد فعله في هذا المشهد المؤلم. 
 

 

لم يستطيع هنري الحفاظ علي أريكا و لم يقوي علي التعلق سوي بالخاتم التي أهدته له رغم علمه بمدي أحتياجه لمثل هذا الدفء و شعوره أنه لايزال أنسان حي قادر علي التعلق و الأحساس.
أنه عدم الأنتماء .. الحل الأئمن، الأسرع و الأسهل. 
ولكنه لم يكن يعلم أن ألم الفراق المصاحب للرحيل أقسي توحشاً من ألم الفقد المصاحب للتعلق .. لأنك تترك طواعية من أستأنس بوجودك. 
نري أن هنري منذ الطفولة يجد أن الأمان في الأنفصال و عدم الأنتماء خصوصاً بعد أنتحار والدته أمامه بعد أعتداءات جده الجسدية المتكررة عليها و يشاء القدر أن يعتني هنري بهذا الجد لآخر لحظة و لم يجد الراحة و الخلاص غير برحيل الجد ذاته في مشاعر متضاربة و متناقضة بمنتهي الصعوبة، فالجد هو الأسرة الوحيدة المتبقية لكنه سبب كل مآسي حياته و خوائه و موته من الداخل.
في مشهد موت الجد أستسلم لألمه ثم تقمص دور أمه و أجاب الجد بلسانها عن مسامحتها له و أعطائه الأذن بالرحيل كي ينتهي عذاب الثلاثة (الجد-الأم-الحفيد) و تفني المتاهة بين عذابه و حيرته في رعايته و حبه لجده و بين عجزه عن الغفران لكل هذه الجرائم. 

يأتي مشهد الختام في أتساق يناسب جميع هذه الشخصيات و الأحداث المؤلمة و يقص علينا هنري في سرده الوثائقي نتيجة ما يحدث و هو أننا فشلنا و إخفاقِنا متمثل في إحباط كل من حولنا بما فيهم أنفسنا .. و خلفه سبورة الفصل مكتوب عليها عنوان : "سقوط المنزل" ليختتم الفيلم بشعر قديم عن الخواء و الغرق و الأطلال التي لا تُمرض الجدران فقط بل تُمرض قلوب البشر و تحطمها.
 


كلنا نعاني و كلنا ضحايا و كلنا ظالم و مظلوم و يخرج كل إنسان من عذابه بطريقة سلمية خاصة به لكنها مؤذية .. 
الأنتحار – الإنكار- الأنفصال .. 
لكن يمكننا إنقاذ ماتبقي منا بالبوح و تقبل الحقيقة أي كانت .. 

 

ذهب هنري لزيارة أريكا في مؤسسة رعاية الشباب .. 
هل بداخلنا ماتبقي كي ينقذ كل هؤلاء المعذبين ؟؟
 ونحن أولهم ..

كاتب المقال

نرمين نعمان

نرمين نعمان كاتبة، أخصائية صحة نفسية وناقدة فنية.

لها العديد من البرامج والمقالات في مجال التنمية الذاتية والمجتمعية وتأثير الفنون في رقي المجتمعات ونموها.

فى عام 2015 أصدرت كتابها الأول " الكتاب الأسود " عن دار رواق للنشر والتوزيع وصل لقائمة الكتب العربية الأكثر مبيعاً فى كبرى مكتبات جمهورية مصر العربية ومختلف دول الخليج العربى.

اليوم الجديد