مبارك وكفة الميزان

2/26/2020 5:21:33 PM
339
كتاب اليوم الجديد

محمد على إبراهيم

- آخر رؤساء تحرير مبارك يكتب عن الرئيس الراحل


هذة السطور لاعلاقة لها بمشروع الرئيس السيسي النووي الذي أحيا حُلم المصريين بامتلاك طاقة نووية سلمية.. ولا هو لعقد مقارنة بينه وبين ما تم في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.. ولكنه تاريخ.. ونحن أساتذة في تزوير أي تاريخ.. إذا كرهنا شخصا استنزلنا عليه اللعنات.. وإذا أحببناه رفعناه لسبع سموات.

 

فعلها الرئيس عبد الناصر وصحافته مع الملك فاروق ومحمد نجيب، وكذلك السادات ورجاله مع ناصر وعهده.. نحن نفعلها أيضا مع مبارك الذي لا يذكر له أحد شيئا ويرون أنه كان شيطانا رجيما.. الرئيس الأسبق حَكَم مصر أطول مما ينبغى.. لذلك تراكمت الأخطاء حتى أصبحت تلالا تغطي على الإنجازات.. وعادة نحن نتذكر "الأسية" في مصر وننسى الإيجابيات.. لذلك آثرت أن أُسمي كتابي القادم إن شاء الله "مبارك..  وكفة الميزان"".
الكتاب رؤية محايدة لـ 30 عاما شغلتُ فيها منصب رئيس تحرير صحيفتين قوميتين 21 عاما.. لماذا كان ظالما في رأي الناس والخبراء والصحفيين؟ ولماذا احتسبناه مظلوما رغم أنه سجن وقتل وشرد المصريين كما تقول كل الكتب التي صدرت بعد تنحيه؟!.. أنا ضد مبدأ "التاريخ يكتبه المنتصرون".. هذا مبدأ زفت.. نابليون بونابرت مثلا عظيم في فرنسا.. ملعون في إنجلترا.. شهواني في النمسا.. انتهازي في ألمانيا.. وكل متعصب لرأيه في هذا القائد العسكري العظيم.
المهم أنني اخترت  المهم انني فكرت قبل نشر بعض السطور من الكتاب أن أطلع الصديق سليمان القلشي عليها ،وذلك لمناسبة دخول مصر النادي النووى، وكيف بدأ ذلك منذ عام 1982 وما شهدته الـ 30 عاما من محاكمات ومؤامرات وضرب تحت الحزام وفوقه وأطماع رجال الأعمال في الضبعة وأشياء أخرى أرصدها للمعلومات فقط، فلا تفتحوا الباب لأحكام مسبقة أو انتقادات سابقة التجهيز وانتظروا حكم الناس.
 20أكتوبر 2007
في هذا الشهر عادة تجرى أعمال المؤتمر السنوي للحزب الوطني الذي حكم مصر طوال عصري السادات ومبارك.. في الصباح تم دعوة بعض رؤساء التحرير منهم الزملاء أسامة سرايا ومحمد بركات والمرحوم عبد الله كمال والعبد لله للقاء في مقر الحزب.. تصورنا أن الاجتماع مع صفوت الشريف الأمين العام ولكننا وجدناه مع جمال مبارك أمين السياسات.
والحقيقة أنني لم تكن بيني وبين ابن الرئيس أي كيمياء.. مسألة ربانية فهو ليس "ابن نكتة" مثل والده.. وبه خيلاء وتكبر.. تحدث مسهبا عن التنمية والاستثمار والتوظيف والإسكان.. كان يحفظ الأرقام جيدا.. لكن عرضه وشرحه يفتقد دائما للمسة الإنسانية.. للدفء.. هو مثقف وقارئ جيد واقتصادي ممتاز.. لكن تشعر دائما أن هناك هوة سحيقة بينك وبينه.. ربما كان هذا انطباعا خاطئا.. لكن هذا ما كنتُ أشعر به معه بخلاف شقيقه علاء الذي كان "ابن بلد" حقيقي.
المهم أن "الأستاذ جمال"- كما كنا نناديه- أكد أن مؤتمر الحزب هذا العام سيشهد مصدرا جديدا للطاقة يفتح آفاق الاستثمار ويزيد عدد المصانع ويحل أزمة الكهرباء للأبد سألته طاقة نووية؟ قال نعم لكن لاتنشروا ذلك الآن!
خرجنا من الاجتماع فوجدنا د. علي الدين هلال أمين الإعلام بالحزب، يؤكد مرة أخرى على عدم النشر.. وصلنا لمكاتبنا وجاء اتصال من صفوت الشريف يطالبنا بعدم النشر أيضا.. السادسة مساء اتصلت بالرئيس.. الاتصال لا يتم به مباشرة ولكن بالسكرتارية.. ولابد أن تكون موجودا بجوار تليفون "أرضي" وليس تليفونا محمولا ويحدث أن يتصل بك الرئيس أو لا يتصل.. أزعم أنني كنت قريبا منه أو أن "الكيمياء" كانت حاضرة وطبعا بكل الاحترام.
مبارك يفاجئك كثيرا بأنه يعرف ما ستسأله عنه.. بادرني أزيك يا محمد.. عايز تسألني عن الطاقة النووية.. أجبته والدهشة تعقد لساني: تمام يا فندم.. قال هذه حكاية طويلة سأرويها لك لكنها ليست للنشر.. سألت لماذا؟ أجاب السوق النووى متقلب.. والحرب فيه تستخدم فيها كل الأسلحة.. ضغوط وتوازنات وصفقات وقد تصل أحيانا إلى تفتيش.
أكد مبارك أن الخطوة في هذا المجال محسوبة بميزان من ذهب وستعرف قيمة الكلام عندما أحدثك عن القصة من بدايتها.. سألته ولماذا لا ننشر أن مصر ستدخل النادى النووي.. قال أولا التعبير خاطئ يا "باشمهندس"، وكان الرئيس يستخدم هذه الكلمة عندما لا يُعجبه الكلام أو للسخرية من السائل لأنه لا يعرف شيئا ويفتي!! استطرد مبارك أن النادي النووى يعني الدول المالكة للسلاح النووي وهى خمس دول فقط كما تعلم (أمريكا وإنجلترا وفرنسا وروسيا والصين)
قلت: سيادتك تقصد ثمانية دول بإضافة الهند وباكستان وإسرائيل؟.. أجاب الهند وباكستان لهما ظروف خاصة ورأى العالم أن امتلاكهما لسلاح نووى محدود سينهي احتمال الحرب بين بلدين تعدادهما 2.5 مليار نسمة.. أما إسرائيل فهي إن كانت تملك السلاح لكن العالم كله يرفض الاعتراف بذلك.. بل وأنها ترفض التفتيش .. والمرة الوحيدة التى تم فيها التفتيش كان فى جولة بالطائرة قام بها البرادعى مع وزير الدفاع الإسرائيلى فوق صحراء النقب ولم يثبت وقتها مدير الوكالة الذرية للطاقة أن بها أسلحة ( لاحظ أن المكالمة بينى وبين الرئيس تمت وقت أن كان البرادعى مديرا لوكالة الطاقة الذرية وفائزا بجائزة نوبل للسلام فى أكتوبر 2005 وتم تكريمة فى رئاسة الجمهورية ولم تكن ميوله السياسية قد ظهرت بعد) 
المهم أنني سألته لماذا لا ننشر يا ريس طالما النية استقرت على طاقة نووية سلمية.. رد قائلا: "يا باشمهندس مينفعش حضرتك تنشر، وتسبق خطاب الرئيس.. الناس تقول أنت بتكتب لي ولا إيه!
هناك مسائل لا تنفع فيها الشطارة أو الفهلوة خصوصا مع حسني مبارك، وأتذكر مرة أن زميلنا محمد فتح الله انفرد بحركة المحافظين بالاسم ونشرناها بالجمهورية بالصفحة الأولى .. وغضب الرئيس مني وقال لمكتبه لازم تعرفوا مين اللي سرب الحركة.. ضغط علي د . أحمد نظيف واللواء أبو الوفا رشوان سكرتير الرئيس ود. مجدي راضي المتحدث باسم مجلس الوزراء.. ولم أبح بالمصدر وكذلك فعل محمد فتح الله نائب رئيس تحرير الجمهورية وقلت له: "لو حنترفت متقولش"! 
وبعد شهرين أصدر الرئيس الحركة مع تغيير محافظين اثنين حتى لا تكون "الجمهورية" تميزت! 
أعود لموضوع النووى وسألت الرئيس في نهاية المكالمة يا ريس عايز أعرف حكاية النووى وصفقاته ومؤمراته من البداية.. ورد الرئيس بعد الخطاب يا "باشمهندس".. وألقى الرئيس خطابه يوم 29 أكتوبر 2007 فى ختام مؤتمر الحزب الوطني .. ويوم 31 أكتوبر بدأت الاجتهادات تحرض أو تهلل أو تشكك أو تستعدي علينا أمريكا.. سألت الرئيس أوائل نوفمبر 2007 يا ريس حضرتك وعدتنى فقال انا عند وعدى لكن مفيش نشر!
 قلتُ  أنني سأنشرُ ما لدي من معلومات، أفاض في شرحها الرئيس الأسبق حسني مبارك معي.. لكنّ الغريب أنه  بعد سقوط مبارك تطوع زملاء وصحفيون كبار باتهامه باضاعة الحلم النووي وذلك حسب رؤيتهم وكمجاملة للرئيس السيسي الذي أحيا أملا كان هو والعدم سواء ..  و هكذا انهمرت الاجتهادات وتطوع زملاء- منهم الأستاذ عادل حمودة وآخرون- باستعراض تاريخ الحُلم النووي، وعرض بعضهم مثل صحيفة الأستاذ عبد الحليم قنديل لما أسموه بضرورة محاكمة مبارك على إضاعة الحُلم النووي، وذهب آخرون إلى تجريمه، وفئة ثالثة مثل الأستاذ عادل حمودة بصحيفة الفجر أدخل كتابه عن قتل عالم الذرة المصري يحيى المشد، الذي كان يعمل على المفاعل النووي العراقي ضمن القصة النووية المصرية.. وكل ما نُشر وما سينشر عند الآخرين لا علاقة له بحواراتي مع الرئيس الأسبق مبارك.
7 نوفمبر 2007 
شرح الرئيس الأسبق مبارك في حواره الذي بدأه اليوم لماذا طلب عدم النشر.. أكد لي أنه ليس كل ما يُعرف يُقال.. وهو كان شاهدا على الحكاية من بدايتها.. سألته منذ متى؟.. أجاب: السادات صاحب الفكرة وهو من بدأ التنفيذ.. قاطعته بأدب لكن يا سيادة الرئيس عبد الناصر هو من بدأها في مفاعل أنشاص أيام إن كان وزير البحث العلمي صلاح هدايت! أجاب مبارك: الرئيس عبد الناصر كان أساس تفكيره هو الانتصار على إسرائيل عسكريا وشن حرب نفسية ضدها.. لذلك أحضر علماء صواريخ ألمان ونمساويين للإشراف على تجارب دفع صاروخي وتطوير بعض الصواريخ المصرية "القاهر والظافر" لضرب إسرائيل.. كان هدفه- والكلام لمبارك- أن تعيش تل أبيب في رعب وتتصور أن بإمكانه تركيب رؤوس نووية على هذه الصواريخ.
واستطرد لم يكن المفاعل الذري في أنشاص لتوليد طاقة كهربائية، ولكنّه كان للأبحاث العلمية أو العسكرية إن شئت الدقة.. وبقية الحكاية معروفة فقد تم اغتيال العلماء الألمان الذين جاءوا للقاهرة وهربوا وأحدهم سافر للصين، وهو الذي شارك في تطوير برنامج الصواريخ الصيني وهو (ولفجانج بيلز)، الذي هاجر لبكين بعد هروبه من مصر ومات فيها 1994.. توقفت محاولات مصر بعد 1967، وتخلت مؤقتا عن أحلام الصواريخ بعيدة المدى، وانحصر التفكير في الصواريخ التقليدية سكود بي وسي وغيرها من صواريخ كوريا الشمالية التي شاركت في حرب أكتوبر.
يقول الرئيس مبارك بضيق واضح في نبراته.. إسرائيل تريد أن تكون الطاقة النووية في المنطقة ملك لها وحدها.. واتضح في السنوات التالية أنها دبرت عددا من المؤمرات لمصر لتجهض الحلم النووي !
11نوفمبر 2007 
عاد الرئيس مبارك للقاهرة من جولة خليجية شملت البحرين وقطر والكويت والإمارات للترويج لإعادة انتخاب عمرو موسى أمينا عاما للجامعة العربية، خصوصا أن الكويت والإمارات كان لديهما تحفظات عليه، لكن مبارك نجح في التمديد له.. مساء اليوم التالي اتصلت لأكمل الحوار فداعبني الرئيس لو نشرت حادبحك.. أجبته يافندم ده للزمن.. ولم أكن أعرف أن الزمن سيفعل به وبنا ما فعل
المهم.. سرح الرئيس قليلا ثم قال الطاقة النووية السليمة بدأت في ديسمبر 1978 بفكرة من أحمد سلطان وزير الكهرباء وقتها، وهو بالمناسبة بلدياتي من كفر المصيلحة.. عرضها على السادات.. وافق الرئيس الراحل لكن طلب منه أن ينتظر حتى يوقع اتفاق السلام مع إسرائيل.. السادات- كما يقول مبارك- كان يصف مفاوضاته مع الإسرائيليين بأنه "حاوي بيلاعب أراجوز"، وذلك للتدليل على دهاء ومكر الطرفين.
وكان السادات يؤكد لي- لمبارك- أنه لا يضمن تل أبيب أبدا.. المهم أن أحمد سلطان عرض الإمكانيات وأكد وجود الكوادر البشرية والعلماء المصريين.. وقال السادات له أنا محتاج مشروع قومى غير الحرب والسلام وربما يكون هذا هو.. وجهة نظر السادات كانت أن الحرب انتهت والناس تريد أن تعيش وإذا لم تشعر أن السلام مع إسرائيل لن يفيدها في شىء ستغضب.
وأردف السادات لسلطان: طبعا أنت شايف بيعملوا إيه في صحف المعارضة.. وأضاف ولسه كمان أما أوقع الاتفاقية ستنفتح عليها أبواب جهنم.. لكن ما يهمكش يا أحمد ( أحمد سلطان) اعمل دراساتك وانتظر عندما أعود من أمريكا.. واستطرد تاخد منك كام شهر، قال الوزير حوالي أربعة أشهر.. وبكلمته التقليدية قال الرئيس الراحل: "على بركه الله ".. ويؤكد مبارك هنا على نقطة هامة جدا، وهي أن السادات لا يُفصح أبدا عما يدور في رأسه، ولا عما لديه من معلومات مخابراتية أو غيرها.
السر الأكبر 15 نوفمبر 2007
بدأ أحمد سلطان- صديق مبارك المُقرب- يعقد اجتماعات مكثفة مع طاقم العمل في المحطة النووية الحلم خلال عام 1979 وأبرزهم كانوا د . فوزى حماد الله يرحمه ود. إبراهيم العسيرى.. وعن هذا يحكي مبارك لي أن تعليمات الرئيس السادات رحمه الله لسلطان كانت عدم استقدام خبراء أجانب للعمل مدة طويلة، ولكن لتقديم استشارات فقط، فقد كان لديه عقدة مما جرى للعلماء الألمان على يد الموساد الإسرائيلي من طرود مفخخة واغتيالهم من 1963 إلى 1965.
أقاطع الرئيس الأسبق متسائلا هل قامت إسرائيل بمؤامرات أخرى بخصوص حصول مصر على الطاقة النووية السلمية.. قال نعتقد أن حرب 67 كانت لإجهاض حلم الحصول على طاقة نووية، سواء كان ناصر يريدها لإرهاب وردع إسرائيل أو الحصول على طاقة للكهرباء، وألمح مبارك إلى أن الرئيس ناصر كان يعتقد أن الكهرباء المتولدة من السد العالي ستكفي مصر للأجيال القادمة.. وأضاف أن الموساد توصلت لمعلومات تفيد بأن مصر يُمكن أن تحصل على 8 آلاف ميجاوات من الطاقة النووية بحلول عام 1970!!
ويواصل الرئيس مبارك حديثه قائلا إن أحمد سلطان تلقى عدة عروض من شركات فرنسية لإقامة محطتين نوويتين وعرضا من شركة وستنجهاوس الأمريكية.. وبدراسة العروض توصلت اللجنة المُشكّلة من الأساتذة المصريين إلى أن العرض الفرنسي أفضل من الأمريكي.. وفي اتصال مع الرئيس الراحل السادات شرح له أحمد سلطان مميزات العرض الفرنسي ومخاوفه من العرض الأمريكي.. وأن عوامل الأمان في الفرنسي أفضل.. وأصدر السادات أمرا لم يفهمه أحد وقتها "أحمد .. محدش يعرف كلمة عن الموضوع"! ولم يكن معقولا أن يسأل وزير الكهرباء الريس لماذا ؟!
المهم أن خبر العروض الفرنسية والأمريكية تسرّب إلى صحيفة التجمع وكتب شفيق أحمد على الصحفي اليساري العبقري تحقيقات عن أن مصر ستكون مقبرة للنفايات النووية الأمريكية مقابل عملية السلام مع إسرائيل.. وهاج الرأي العام على السادات، خصوصا أنه كان الوقت الذي تكشّفت فيه بعض فضائح الانفتاح.
يضيف مبارك "وقّع السادات اتفاقية السلام مع كارتر وبيجن في مارس 1979، وفي طريق عودته توقف في مطار كولن ومنها بالسيارات إلى بون عاصمة ألمانيا آنذاك؛ للقاء مع المستشار الألماني هيلموت شميت صديقه المقرب، والذي كان أكبر المؤيدين للسادات في الغرب.. وعرض على السادات تزويد مصر بأربعة مفاعلات نووية مجانا.. لاحظ كلمة "مجانا".. وذلك ضمن برنامج دعم السلام في الشرق الأوسط الذي وافقت عليه حكومة شميت الائتلافية الذي لم يكن قد حاز أغلبية تسمح له بتشكيل حكومة منفردا.
يقول مبارك أن السادات كان يُفكر في أكثر من 4 محطات نووية.. لكن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية "الموساد" عرفتا أن مصر ستحصل على خبرة تكنولوجية نووية بعيدا عن أعينهما.. وبدأت الحرب.
سربت الحكومة الأمريكية أخبارا للصحف.. وبالذات  "واشنطن بوست" قالت فيها إن شركة وستنجهاوس الأمريكية ربما تخرج من عروض المحطات النووية في مصر لأن وزير الكهرباء المصري أحمد سلطان طلب الحصول على رشوة من الشركة الأمريكية لترسية العطاء عليها!
سألت الرئيس مبارك وهل كان هذا صحيحا.. بحسم أجاب طبعا لأ.. وسألت هل كانت إسرائيل تريد حرماننا من "التكنولوجيا النووية"، قال هذا جزء من الموضوع، لكن الأهم أن الصراع بين القوى النووية في العالم على احتكار بيع الخبرة النووية تصاعد جدا.
وأصبحت الحرب بين الشركات علنية.. كلٌ يريد الحصول لنفسه على أكبر نصيب من السوق.. وتزايدت الحرب الإعلامية على الوزير أحمد سلطان في الداخل والخارج.. عزله السادات وتم تعيين المهندس ماهر أباظة وكيل أول الوزارة خلفا له، وقُدم إلى المحاكمة في أول واقعة لمحاكمة وزير مصري بعد ثورة يوليو 1952 واستمرت حوالي ثلاثة أعوام، حصل بعدها على البراءة، وكشف تلاعب الشركة الأمريكية، وقدم مستندات تفيد بأنهم هم الذين حاولوا رشوته وطلبت المحكمة رأي لجنة من أساتذة الهندسة النووية والوكالة الذرية المصرية وأجمعوا على أن العرض الأمريكي أسوأ عرض تم تقديمه لمصر.
حصل الوزير أحمد سلطان على البراءة وأصيب باكتئاب حاد، ولزم منزله لا يخرج منه، وتوفي بعد سنوات وظلت التهمة تطارد الرجل الشريف إلى القبر.. وانتقل الملف النووي إلى الوزير ماهر أباظة الذي تولى منصبه أواخر عام 1980.. وبدأ فصل جديد في الحكاية النووية الحقيقية التي لا يعرف كثيرون تفاصيلها!
توقفنا في الحلقة السابقة عند انتقال الملف النووي إلى الوزير الراحل المهندس ماهر أباظة، بعد أن عزل الرئيس أنور السادات سلفه الراحل أحمد سلطان بعد أن تآمرت عليه شركة وستنجهاوس الأمريكية واتهمته ظلما بأنه طلب رشوة منهم لترسية عطاء بناء المحطة النووية عليهم، وذلك بعد أن عرفت إسرائيل وأمريكا أن النية تتجه لألمانيا وفرنسا لتحقيق الحُلم النووي المصري لأن معامل الأمان النووي في عروضهما كان أفضل من الشركة الأمريكية.
3ديسمبر 2007
سألني الرئيس الأسبق مبارك أين توقفنا؟ قلت عند محاكمة سلطان وتبرئته.. رد بسرعة سلطان كان مظلوما وتحمل إجراءات المحاكمة الطويلة، وصبر على الافتراءات ثلاث سنوات إلى أن تمت تبرئته.
قال الرئيس الأسبق تولي الراحل ماهر أباظة المسؤولية أواخر 1980 وحمل أمانة الملف النووي.. تولي أباظة- والكلام مازال لمبارك- التنسيق مع الجانب الألماني طوال تسعة أشهر إلى أن تم تحديد شهر أكتوبر 1981 لتوقيع الاتفاقيات النووية مع جمهورية ألمانيا الاتحادية "الفيدرالية"، كما كان يطلق عليها قبل الوحدة مع ألمانيا الشرقية عام 1990.. لكن في 6 أكتوبر 1981 تم اغتيال السادات وتم اختياري رئيسا للجمهورية بعد موافقة الشعب والبرلمان.. استأذن أباظة للسفر لألمانيا لإنهاء الاتفاقيات في ألمانيا.. وبالفعل وقّع.. لكن بدأت حرب ضد مصر من نوع جديد.. حرب ضد أصدقائها.. واستعراض لقوة ونفوذ إسرائيل في العالم كله.
يقول مبارك: "بعد وفاة السادات بدأتْ إسرائيل في ابتزازنا للحصول على مزايا إضافية مقابل الاستمرار في عملية السلام.. وفي ديسمبر 1981 كانت أول زيارة لي للولايات المتحدة كرئيس لمصر.. ومنذ اللحظة الأولى شعرت أن إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان تحاول الضغط لصالح إسرائيل استجابة لمطالب اللوبي الإسرائيلي صاحب النفوذ القوي في دوائر الكونجرس.. بدأت الصحافة الأمريكية تكتب تسريبات عن تعديلات في كامب ديفيد والسماح لإسرائيل بالبقاء لفترة انتقالية في سيناء حتى تستقر الأوضاع في مصر مع الرئيس الجديد (مبارك). نفيت كل ما تردد عن ذلك في مؤتمر صحفي.. وكان أغرب سؤال لي هل أنت على طريق عبد الناصر أم السادات؟.. أي هل أنت مع الحرب أم السلام .. وجاء ردي طبيعيا وهو أن اسمي حسني مبارك!
وفي نهاية الزيارة أبلغني إلكسندر هيج وزير الخارجية أنه سيأتي لزيارتي بالقاهرة ضمن جولة له بالخليج وإسرائيل تنتهي بمصر.. الزيارة كما أتذكر- والكلام للرئيس الأسبق- كانت في فبراير 1982 أي قبل انسحاب إسرائيل من سيناء بشهرين! أجبته أهلا وسهلا.
وصل هيج إلى القاهرة وقابلني في اليوم التالي وفوجئت به يطلب ضمانًا مكتوبًا من مصر أنها ستمضي قدما في عملية السلام.. قلت له- والكلام لمبارك- مصر كلمتها عهد وميثاق.. ونحن أبرمنا الاتفاقية وملتزمون بها.. فإذا به يقول لي يا سيادة الرئيس لكن حكومة مناحم بيجين رئيس الوزراء الإسرائيلي قلقة من نواياكم، فقد وقعتم على اتفاقيات تعاون نووي مع ألمانيا.. أجبته وهل ألمانيا دولة تنتج السلاح النووي.. أجاب كلا، ولكنّهم في إسرائيل يخشون أن تعيدوا تجربة عبد الناصر.. بحسم قلت له أنتم تماطلون.. هناك التزام منكم ومن تل أبيب بالانسحاب في موعد محدد.. نحن ملتزمون.. والعالم كله يُدرك ذلك.. أجاب سأنقل لهم ذلك.. وأكد في نهاية المقابلة معي أن الانسحاب سيتم في موعده.
يؤكد مبارك أن المؤامرة بدأت قبل مجيء هيج للقاهرة.. فقد بدأ اللوبي الصهيوني يضغط على حكومة هلموت شميت فور توقيع الاتفاق النووي مع ألمانيا في أول نوفمبر 1981.. الحكومة الألمانية كانت ائتلافية بمعني أنه إذا انسحب حزب منها تفقد أغلبيتها في البرلمان.. تصاعدت الضغوط على شميت وانسحب هانز ديتريش جينشر وزير الخارجية الألماني الأشهر وحزبه من الائتلاف الحاكم وسقط شميت.. كان واضحا أن إسرائيل تريد استعراض قوتها ولعب "كارت إرهاب" ضد مصر.
وسألت الرئيس مبارك لكن لماذا توقف التعاون النووي مع ألمانيا طالما كان كل شيء جاهز.. ووقعنا الاتفاقية.. وفي هذا الوقت لم تعد الطاقة النووية حكرا على أحد.. وأصبح هناك في أوائل الثمانينات دول كثيرة تملك مفاعلات مثل إسرائيل والهند وباكستان!
ويجيب الرئيس أنه في عام 1982 أكملت إسرائيل الانسحاب من سيناء ورفضت إخلاء "طابا".. ورفضت كل الضغوط لتركها لهم .. وقال لي الأمريكان إنها مجرد كيلو متر مربع ماذا تمثل لكم؟! أجبتهم- بنفس كلمات مبارك- تعني لا شيء وكل شيء في الوقت ذاته.. وكان يقصد أنها وإن كانت لا تُمثل شيئا من حيث المساحة فهي كل شيء بالنسبة للتراب المصري والكرامة والدماء التي سالت في الحروب على هذه الأرض الطيبة.
يضيف الرئيس أن صانع القرار تكون لديه في أوقات الأزمات أولويات.. وأذكرك أن علاقتنا مع الدول العربية كانت مقطوعة.. أوضاعنا الاقتصادية سيئة.. المرافق منهارة.. لا تليفونات.. لا مجاري.. لا طرق.. لا كهرباء.. ثم جاء مقلب "طابا" وكان عليّ انتظار قرار المحكمة الدولية في لاهاي الذي صدر بعد 7 سنوات من الانسحاب الإسرائيلي.. ولم يكن ممكنا أن تذهب مصر للتحكيم تحت ضغط إسرائيل وصحافتها العالمية والمتعاطفين معها في كل برلمانات العالم. ثم أُضيف أنا –كرئيس لمصر- إلى أسلحتها ادعاء أننا نسعى إلى امتلاك قنبله نووية، وهو ما كان كفيلا بجعلي أؤجل حسم أمر المحطة النووية قليلا إلى أن انتهي من استرداد كامل الأراضي المصرية، والاهتمام ببناء الاقتصاد الوطني ورفع مستوى الخدمات التي كانت بدائية حتى بداية الثمانينات ثم إعادة العلاقات مع الأشقاء العرب.
17ديسمبر 2007
كان الرئيس عائدا في هذا اليوم من رياضته الصباحية وفوجئت بتليفون من السكرتارية في الصباح الباكر.. وإذا بالرئيس يفاجئني هل قرأت صحف اليوم .. قلت قرأت الطبعات الأولى ليلا يا سيادة الرئيس.. قال ألم يلفت نظرك خبر؟ قلت سيادتك تقصد اعتراض شحنة يوارنيوم متجهة إلى إيران في المحيط الهندي! أجاب بالضبط .. وهذا أيضا من أسباب ترددي في الثمانينات عن المضي في الانتهاء من المحطة النووية.. قلت سيادتك اشرح لي من فضلك .. أجاب الدول المنتجة للوقود النووي محدودة وتتنافس فيما بينها.. الأوضاع السياسية تؤثر على رغبة أي دولة في الحصول على الطاقة.. وبالتالي فإنّ مصر في الفترة الماضية كانت تتعرض لضغوط عديدة.. والضغط في مسألة الوقود النووي يعني توقف المحطات. الوقود النووي ليس مثل القمح مثلا..
وقال نحن نستورد القمح من أمريكا وروسيا وكندا وأستراليا ولنا ثقل سياسي وعلاقات دولية تشمل العالم كله ونستطيع الحصول على ما نحتاجه من أي نوع.. لكن الوقود النووي يخضع لحسابات وتوازنات وادعاءات وحرب نفسية وأشياء كثيرة .. وأهم من كل شيء أن تصدر مصر ما يعرف بـ "القانون النووي"، ويتم التصديق عليه من مجلس الشعب ويرفع إلى المؤسسات الدولية ليتم اعتماده والسماح لأي دولة باستخدام الطاقة النووية والموافقة على التفتيش الدوري على منشآتها.. وربما يعرض هذا إيران لمشاكل في المستقبل.. ورغم كل ذلك فمازلتُ مُصرًا على تحقيق الحُلم النووي.
ويبقي الجزء الأخير من الحكاية الذي أدخره للقارئ وفيه أسرار رحلة موسكو في مارس 2008، والتكليف الذي صدر للزميل مصطفى بكري لإجراء حوار مع الـ بي بي سي حول المحطة النووية التي وقعها بوتين مع الرئيس مبارك يوم 27 مارس 2008، وكان معنا على الطائرة الرئاسية زميلان من المعارضة هما الاستاذان نبيل زكي ومصطفى بكري وكانت لهما اتصالات مباشرة مع الرئيس مبارك في كثير من الأحيان..

كاتب المقال

محمد على إبراهيم

 

محمد علي إبراهيم رئيس تحرير صحيفة الجمهورية المصرية الأسبق

اليوم الجديد