غليان فى الضفة

2/26/2020 1:10:22 PM
201
كتاب اليوم الجديد

سارة شريف


منذ لحظة إطلاق صفقة القرن، ونحن نعيش إثارة لا محدودة من التصريحات الساخنة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وباقى القادة الفلسطينيين من مختلف الفصائل، لكنَّ تصريحات «عباس» لها وقع خاص على الأذن، وجعلت الجميع يفكر فى شىء واحد هو: إمكانية شد الحبل على آخره بدون قطعه.

ألمح «أبومازن» عدة مرات إلى أنه سيقطع «أى علاقة بما فيها الأمنية» مع إسرائيل والولايات المتحدة، مؤكداً تحرره من التزاماته بموجب اتفاقات أوسلو، ثم عاد وألمح إلى أن العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل لا تزال قائمة، قائلاً «هذه خدمات لشعبنا ولأهلنا، الجامعات والمدارس والمياه، الصحة هذا شىء مفيد لشعبنا سنستمر فيه إلى أن نعجز عن ذلك»، ما يعرفه أبومازن والإسرائيليون ولا يعرفه أغلب الجمهور أن «التنسيق الأمنى» مهم للفلسطينيين بذات قدر أهميته للإسرائيليين.

يعتبر التنسيق الأمنى الفلسطينى الإسرائيلى، عنصراً مهماً للحفاظ على الهدوء فى الضفة الغربية، وهو مهم للجانبين، ليس هذا فقط، بل إنَّ السلطة الفلسطينية تأسست استناداً إلى اتفاقية أوسلو التى وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية فى البيت الأبيض فى العام 1993. وإلغاء الالتزامات التى توجبها اتفاقية أوسلو إنما يعنى إنهاء عمل السلطة الفلسطينية.

السلطة الفلسطينية هى الجهة المعترف بها وهى الجهة التى الدول المانحة مستعدة لأن تضخ لها الاموال، ويوجد لها مكانة معترف بها فى المؤسسات الدولية، ومؤسسات الأمم المتحدة، ولديها سفارات فى دول كثيرة العالم، حلها يعنى التنازل عن كل ذلك وفقدان أجهزة السيطرة.

ليس هذا فقط، بل إنَّ حل السلطة سيمنح إسرائيل الشرعية للسيطرة على الاقتصاد الفلسطينى بشكل كامل، وفى المقابل، هذا القرار سيضع إسرائيل فى وضع يكون عليها فيه تمويل جميع النشاطات المدنية فى المناطق، وبناء أجهزة إدارة جديدة والعودة إلى احتلال مباشر على المستوى الجزئي.

«أبومازن» يعرف كل ما سبق، لكنه لا يزال يميل إلى التصريحات الساخنة والخطابات الرنانة، ففى خطابه أمام وزراء خارجية الجامعة العربية فى القاهرة، هدد فيه بقطع التنسيق الأمنى، يعنى ببساطة أن «أبومازن» يريد حل السلطة الفلسطينية وإعادة المسئولية عن الضفة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ما يعطى شرعية لاستئناف المواجهة المسلحة مع إسرائيل، ليست مواجهة بالتصريحات بل العودة إلى الانتفاضة «فهل حقاً أبومازن يريد ذلك أم حديثه كان نوعاً من الاستهلاك الإعلامى؟».

فى إسرائيل اعتادوا على تصريحات أبومازن، فهم سمعوا منه مراراً تصريحات مماثلة ومشابهة، ولم تخرج إلى حيز التنفيذ؛ لأن «أبومازن» نفسه أجل تنفيذها، ولكن لا يزال هناك من يحذر أن «أبومازن» ربما قد يضع القنبلة على الطاولة تلك المرة.

تصريحات «أبومازن» منذ إعلان صفقة القرن، غير واضحة، ولم يفهم أحد بعد هل هى تحمل رسائل تحذيرية لإسرائيل وأمريكا؟، أم ترسل رسائل حماسية للشعب الفلسطينى ليتحرك على الأض؟، ولكن بمقارنة الخطابات بأفعال أبومازن، نجد أنه اكتفى بشجب أمريكا وإسرائيل، وسمح بتحرك «محدود» للفلسطينيين على الأرض.

خلال الأسابيع الماضية، الفلسطينيون وأجهزة السلطة الفلسطينية، وأجهزة الأمن الإسرائيلية دخلوا فى وضع من انعدام اليقين، ومن الآن فصاعداً، فى كل نقطة احتكاك سيتعين على الجميع أن يفهم هل التنسيق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل قائم بالفعل أم غير قائم أم هزيلاً؟

هناك سيناريو، وهو أن «أبومازن» أراد الضغط على إسرائيل بهذه الحالة «من عدم اليقين»؛ حتى تعيش الأجهزة الأمنية الإسرائيلية حالة من التوتر جراء أى «غليان» فى الضفة.

من ناحية أخرى، فإنَّ إسرائيل أرادت الضغط على السلطة بطريقة أخرى، بعد قرار وزير الدفاع الإسرائيلى نفتالى بينيت وقف التنسيق المدنى مع السلطة رداً على مقاطعة السلطة لبعض المنتجات الإسرائيلية، وهو القرار الذى حذرت من تداعياته جهات داخل إسرائيل حذرت من تداعيات خطيرة، بيد أن هذا القرار ممكن أن يشمل عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين، فيؤثر تأثيراً بالغاً على الاقتصاد الإسرائيلى ويؤدى إلى تفاقم الأوضاع الأمنية.. فى النهاية ليس أمامنا إلا أن ننتظر لنرى.

كاتب المقال

سارة شريف

كاتبة وباحثة متخصصة في الشأن الإسرائيلي

اليوم الجديد