آفة حارتنا

2/21/2020 12:06:24 PM
551
قراء اليوم الجديد

ماري شاكر


 "آفة حارَتنا النِسيان" ؛ الجُملة الأشهَر مِنَ الرِواية العَبقَرية (أولاد حارتنا) لأديبنا العالمي (نَجيب مَحفوظ).. كانَ يَختَتِم بِها كُل فَصل مِن فصول الرواية واصِفاً بِها حال أولاد الحارة الذين يأتيهم مُنقِذ بَين الحين وَالآخَر , وَيَفعَلون بِهِ ما يَفعَلون ثُمَّ تَعُود حَيَاتهم كَما كانَت..

 فَدائِماً ما يَصِف (نَجيب مَحفوظ) أحوال وَصِراعات تَحدُث في الحارات الشَعبِية لَكِن في الحَقيقة هِي رموز لصِراعات داخِل النَفس البَشَرِيَة.

  فَنَجِد العَديد مِن عَباقِرة الأدَب في رواياتِهِم أو مَقالاتِهِم قَد اعتَمَدوا عَلى الرموز لِيَصِفوا مَا يَدُور داخِل النَفس , وَكَما تَمَيَّز بِها (نَجيب مَحفوظ)..أبدَع فيها طائِر لبنان المُهاجِر وَأشهَر شُعَراء الرومانسِية (جبران خليل جبران).. وَأيضاً الكاتِب البرازيلي المُتَمَيز (باولو كويلو).

 وَهَذا ما نَقول عَنهُ دائِماٍ "المَعنى في بَطنِ الشاعِر" ؛ أي في باطِنِهِ وَداخِل أفكاره .. وَماذا عَن القارِئ؟!!

فَإذا كان المَعنى في بَطنِ الشاعِر فَإن الإحساس في نَفس القارِئ..كُلٍ يَشعُر بِما يَقرأ حَسَب حالَته وَإحساسه..

فَكَم مِن مَرَّة حَدَث وَقَرأت نَفس الكِتاب أو نَفس الجُملة في مَراحِل مُختَلِفة مِن حَياتِكَ , وَفي كُل مَرَّة كانَ إحساسك وَقِراءتك لَهُ مُختَلِفة.. كَم مِن مَرَّة سَمعت نَفس الأُغنِية وَفي كُل مَرَّة تَسمَعها بشَكلٍ مُختَلِف حَسَب حالَتك النَفسِية وَالمَزاجِية وَقتها.. بَل وَبَعض الأحيان تَقول لنَفسَك انَها أول مَرَّة تَكتَشِف ذلك المَعنى..

     إذَن..أين مَكان تِلكَ الحارة التي وَصَفها (نَجيب مَحفوظ) وَما قَصده بالآفة ؟!!

     إذا كانَت الحارة هِيَ النَفس..فَهَل آفتها الوَحيدة النِسيان!!

     آفات النَفس كَثيرة..

     فمَثَلاً آفة نفُوسنا الكِتمان..

   كِتمان ما نِتِمنى البَوح به وَلَكِن نَدفِنه داخِل أعمَق مَكان في النَفس..نَكتِمه حَتَّى عَن ذاتنا..نَحتَفِظ بِهِ حَتَّى يصبح كتُحفةٍ قَديمة يُغَطيها غبار الزَمَن..تَظَل مَوجُودة..بمَكانَتها ولا نَستَطيع مَحوها.

     آفة نفُوسنا التَمَنِّي..

     تَمَنِّي ما لا يُمكِن أن يَحدث إلا في أحلامِنا..تِلكَ الأحلام التي نَحلَمها في يَقَظَتنا أكثَر مِن غَفلَتنا..

     كَم مِن أيَّام مَرَّت عليك تَظل جالِساً مَكانَك مُتَرَقِباً الساعة مُنتَظِراً مرور الوَقت ليَنتَهي ذَلِكَ اليَوم..مُتَمَنِياً أن يَبدأ يَوم جَديد راجِياً فيه تَحقيق ما تَحلَم بِه وَتَتَمَناه.

     كَم مِن لَيالٍ تَذهَب إلى فِراشك كأنَه مُنقِذك وَمَكانك الآمِن بَعيداً عَن ضَوضاء العالَم, التي هي في الحَقيقة ضَوضاء عَقلَك الذي تُريد إسكاته, فَتُحاوِل الهروب مِن الواقِع بالنوم..النوم الذي تَظَل تَستَجديه لَكِنَهُ يَأبىَ أن يُلَبِّي النِداء.

     تَمَني وَتَوَقُع.. فَانتِظار فَخَيبة..

     كَفيلة تِلكَ الآفة أن تُميتَك وَأنتَ ظاهِرَك عَلى قَيد الحَياة تَتَنَفَس.. تَترُكَك عالِقاً في مُنتَصَف الطُرُق مَقهوراً.

     فآفة نفُوسنا أيضاً الُمنتَصَفات..

     نَعَم المُنتَصَفات..فجأة تَجِد نَفسَك بَعدَ الكِتمان وَالتَمَني تَقبَل بالمُنتَصَفات ..حلول الوَسَط..لا تَجِد فَرحة كامِلَة أو حُزن كامِل..لاتَشعُر بقبول كامِل أو رَفض كامِل..مايَحدُث فليحدُث..وسأتَعايَش. فَسَيَمُر أي شئ كَما مَرَّ ما قَبله.

     وَلا تَعرِف هَل هَذه قُوَّة أَم خُضوع أَم قُبول بِالأَمر الواقِع..

     وَآفة نفوسنا الأمان..

     إحساسَك بالأمان والاِطمِئنان الذي تَشعُر بِهِ وَتَجِدَه سِواء في مَكانٍ أَو شَخص, ثُمَ فجأة تَنقَلِب الأحوال فَتَجِد نَفسَك وَحيداً..وَلَيسَ وَحيداً فَقَط بَل وَحيداً وَفارِغاً..تَظَل تَبحَث داخِلَك عَن ما كان يَسكنك وَيَجعَلَك مُطمَئِناً شاعِراً بالدِفء لَكِن دونَ جَدوى..هُوَّة عَميقة حَدَثَت وانتِزاع لأمانك تَرَكَ بداخِلك نَدَبات.

     وَأيضاً آفة نفوسنا التَجاوُز..

     تَجاوُز عَن أخطاء الغير في حَقك..اختلاقَك لأحداث لتَلتَمِس بِها أعذاراً لِتَنسَى أَو تَتَناسى الأَخطاء..

     وَلَيسَ فَقَط ذَلِكَ التَجاوُز بَل تَجاوزك في حَق نَفسَك..تَعتَدي عَلى حقوق ذاتَك عَليك؛ حَقك في الفَرح..حَقك في الشعور بالأمان..حَقك في الحَياة.

     آفة نفوسنا التَعَلُّق..وَآفة العَقل التَخَلي .. وَآفة القَلب الخِذلان.

     آفة نفوسنا الحلم..وَآفة العَقل الواقِع .. وَآفة القَلب الأوجاع.

     آفة نفوسنا الهروب..وَآفة العَقل المواجَهة..وَآفة القَلب الجَرح.

     وَنَظَل نُقاوِم تِلكَ الآفات في النَفس وَالعَقل وَالقَلب حَتَّى نجِدنا نَتَهالَك مِنَ المُقاوَمة..بَل وَأحياناً كَثيرة لا نَجِد بداخِلنا طاقَة للمُقاوَمة وَنَرفَع رايَة الاستِسلام.

     وَنَعيش دونَ أن نَحيا..وَتَدور بِنا الأيَّام وَتُصاب نفوسنا وَتُعاوِدنا الآفات..فَنَجِدنا نُرَدِد مَع (مَحفوظ).."آفة حارَتنا النِسيان".

 

    

 

اليوم الجديد