أهمية التوعية بالأمراض النفسية

1/9/2020 10:29:29 PM
432
قراء اليوم الجديد

نهى هنو


المرض النفسى ليس وصمة عار كما يردد الأغلبية من الناس وكما هو معروف و مٌنتشر فى المجتمع و لكن على العكس تماما هو انعكاس لمدى سوء صحة الانسان النفسية وحاجته المُلحة لحل مشكلته و ما يمر به، فالصحة النفسية هى جزء من التكوين البشرى تماما كالصحة الجسدية و لا تقل أهمية عنها بل كل منهم مكملاً للاّخر.

الصحة النفسية هى أساس سعادة الإنسان و كلما كان الشخص اكثر ارتياحا كلما كانت صحته النفسية مٌرتفعة و كلما كان الشخص اكثر عرضة للتوتر و الضغوط و الظروف الصعبة ،و انتقال بعض الأمراض النفسية عن طريق الجينات الوراثية كلما كان الوضع اكثر تعقيدًا .

المرض النفسى هو متعدد الأنواع و لس بالضرورة ان يصل الانسان الى اكثرهم و اشهرهم تعقيدًا او ان يتوقف عن ممارسة الحياة تماما و يدخل الى عالم العلاج النفسى عن طريق المستفشيات النفسية ،و لكن يمكن لاى انسان طبيعى ان يصاب بمرض او إنهاك نفسى حتى و ان كان يُمارس حياته بشكل طبيعى ،فالقلق النفسى الذى يصيب البعض يجعلهم يمتنعون عن النوم او الإستمتاع بالحياة هو مرض نفسى شديد الخطورة ،الوساس القهرى الذى يودى بصاحبه لمتلازمة التدقيق و التفكير المرضى فى اشياء أغلبها لن تحدث يعد مرض نفسى ،الاكتئاب أول الامراض النفسية عالميًا و أكثرهم قوة و انتشار خاصة فى السنوات الاخيرة خاصة و ما يصحابه من ارتفاع معدلات الإنتحار ،تعد ايضا الإضطرابات النفسية من اهم أشكال الأمراض النفسية و التى تختلف أشكالها من شخص لّاخر ،و جميعنا مرضى نفسيين و لكن بدرجات و اشكال ُمتفاوتة ،فلا يوجد شخص لا يهاب من شئ او لديه فوبيا من شئ أو يعانى من صراع نفسى أو اضطراب ما حتى و ان لم يعترف لنفسه بذلك .

يصاب أغلب كبار السن بمرض الزهايمر و هو واحداً ايضا من أشكال التعب النفسى الشديد نتيجة لتصلب الشرايين فى المخ و ضعف مهام عملها كلما تقدم الانسان فى العمر، وفقد السيطرة على تذكر أحداث حياته فهو مرض خاص بسن الشيخوخة، كذلك ايضا الادمان لاى شئ ،مرض التوحد الذى يصيب الطفل منذ ولادته ،إكتئاب ما بعد الولادة و الحمل ،الاضطرابات العصبية ،المرض النفسى الجسدى ،الإضطرابات العضوية النفسية ،الإعاقة العقلية ، كرب ما بعد الصدمة ،الفوبيا بكافة أنواعها من اصغر الى أكبر الاشياء ،كذلك اضطرابات الهوية الجنسية و غيره من الأمراض التى يصعب حصرها لكن يعد كل ما سبق اشهرها ،و منهم ما يمكن علاجه و منهم ما يتعايش معه المريض فبعضها ليست خطيرة و تعد جزء منها إضطرابات وقتية تنتهى بحدوث أمور معينة او بعلاج طبى او نفسى كمرور البعض بفقدان شخص عزيز لديه او تعرضه لحادثة شديدة من نوعها و هذا كله بالطبع يحتاج لتدخل طبى.

تتعدد أيضا طرق العلاج النفسى ما بين العلاج السلوكى المعرفى و العلاج الدوائى أو كلاهما عن طريق زيارة الطبيب النفسى او الإستشارى النفسى أو المدرب الحياتى او كما نطلق عليه "اللايف كوتش" ،و تحديد ما ُيناسب المريض و درجة و قوة الألم النفسى الذى يمر به و ايضا يمكن القيام بجلسات علاج نفسية وتفريغ و لكن لا سلطة لأحد فى كتابة أى عقاقير سوى للطبيب النفسى المتخصص، لأنه الاقدر على ذلك من خلال دراسته لجسم الانسان و كذلك ما يؤثر سلبًا او ايجابًا على صحته العقلية و النفسية نتيجة أخذ جرعات مُحددة من الأدوية التى تؤثر على المخ و سلوك الانسان.

و نحن فى بداية عام 2020 و مازال يُنظر للأمر فى ُمجتمعنا بنظرة دونية و كأن من يذهب لمعالجة مشاكله او للطبيب النفسى هو شخص  مُختل عقليا او كما نطلق عليه مجنون ،على الرغم من زيادة الاتجاه نحو التوعية النفسية عن طريق شهرة بعض الاطباء النفسيين و اصدار الكتب الٌمفيدة فى عالم الطب النفسى و كذلك ايضا إنتشار الندوات و المحاضرات التى اصبح يقبل عليها الاّلاّف من العامة و ايضا عبر وسائل التواصل الاجتماعى ووسائل الاعلام ،فيعد دكتور محمد طه واحدًا من المؤثرين بشكل كبير فى السنوات الأربع الأخيرة ،كذلك الدكتور مصطفى النحاس و الدكتور أحمد عكاشة رائد الطب النفسى فى مصر  ،وذلك نظرا لزيادة ضغوط الحياة و تعقيد العلاقات واحتياج الكثير للتغذية المعلوماتية التى تعمل على تحسين جودتهم حياتهم فى كل شئ و زيادة وعيهم النفسى و التعرف على خبايا النفس التى يجهلها الشخص نفسه عن نفسه فى أحيان كثيرة و لا تأتى هذه المعرفة الا عن طريق القراءة و زيادة الإدراك حول النفس البشرية و تعقيدتها و تكوينها حتى نتمكن من التعامل مع مشاعرنا بشكل أفضل.

و بشكل خاص و بالحديث عن واحد من اهم الامراض النفسية الشهيرة الشديدة الصعوبة يعد الاكتئاب ،هو الغول النفسى الكبير الذى يبتلع صاحبه وهنا يجدر الإشارة على أن يتم التفرقة بين الحزن و الإكتئاب ،فيمكنك ان تكون حزين لكن تمارس حياتك بشكل طبيعى لكن مريض الاكتئاب يعجز كليًا عن القيام بمهام حياته كمن قبل ،و فى بعض الاحيان قد تتداخل بعض الأعراض التى تشترك فى تشخيص  ما يعانى منه الشخص و يلتبس الأمر على الكثيرين فُيفسر ما يمر به على انه مريضاً بالإكتئاب بينما هو ما يعانيه حالات من الحزن الشديد التى تذهب و تأتى بشكل متفاوت و بأعراض أقل حدة بكثير عن مرض الإكتئاب الذى يهاجم الانسان دون ان يشعر احيانا ،فهذا المرض يُشبه تمامًا الأسد المٌفترس الذى لا يرحم ضحيته ابدا ،بل و يزداد توحشا عندما يتمكن من صيدها  ،و هو مرض لديه مراحل مُتعددة و مُختلفة يمكن لمن يصيبه الوقف عند اى مرحلة منهم منذا البداية و العلاج و من الممكن ان يصل المريض الى اخر المراحل و المرور بها كاملة بكل اسف ،و هو الامر الذى يسلبك متعة الاشياء شيئا فشيئا ،و من المُحزن ان نُمارس على الشخص المُكتئب مزيدا من الضغوط التى تزيد من وحدته و غربته و زيادة شعوره بالذنب ،فنبدأ فى إفتعال الدعم بشكل خاطئ كإعطائه بعض النصائح التى لا جدوى منها من عدمها كإتهامه بالفراغ و ضرورة شغله لوقته بشكل صحيح ،كأهمية ممارسته للرياضة ،نتهمه احيانا بالتقصير و ضرورة التقرب من الله على الرغم انه مرض يمكنه ان يصيب اكثرهم تدينا و نجاحًا فالأمر لا علاقة له بتضخيم الامور او مثل هذه الخرافات و الـتأويلات ،و لكنها أسباب حقيقية تصيب من يمكن أن تصيبه و تعمل على تغيير كيمياء المخ لديه و إصابته بالعجز التام ،و ربما من الاشياء التى تدعو للتفائل هو وجود علاج لمثل هذا المرض اللعين و يمكن ايضا للكثيرين ان يتعافوا منه تمامًا و يعودوا للحياة بشكل طبيعى لكنه يحتاج إلى مزيد من الصبر و الإرادة تماما كمن يحارب مرض السرطان و لكن الاكتئاب هو سرطان النفس البشرية .

كذلك نصدر الاحكام دون رحمة بدخول الجنة و النار و الحكم على الشخص المكتئب و كأنه "بيدلع" تلك الكلمة المشهورة ،و ليس هذا فقط بل و الحكم على من يُنهى حياته بأنه كافر و لا يحق لاحد ان يحاسب احد سوى الله و بالطبع هذا ليس تبريرا او تشجيعا لاحد على ارتكاب تلك المعصية، لكن لا يجوز لأحد ان ينصب نفسه إلها  ليحساب غيره خاصة ان كان فى موضع ضعف ،نعم الانتحار معصية و حرام شرعا و لكن ايضا من يصل إلى  تلك النقطة السوداء بسبب تغييرات جذرية قد حدثت له لا يمكننا ابدا محاسبته ،و ربما تلك المنطقة من الحديث شائكة و حساسة  للغاية لكن لا يمكننا ان نغفلها فى حديثنا هذا عن واحدا من اهم المضوعات التى اصبحت تصيب الكثير منا، و هذا ما حدث مع اّخر حالة إنتحار شهدها مُجتمعنا المصرى لطالب الهندسة و دون صدور حكم عليه او على غيره ،كان للحادثة رد فعل جماعى إيجابى و هو مساعدة من يحتاجون للمساعدة و لكن ايضا تم الامر بدعوة عشوائية لكل شخص مُكتئب يريد ان يتحدث إلى أحد فى اى وقت ،مع العلم أننا لسنا جميعًا خبراء و لا أطباء لنعالج أحدا ،فهى بمثابة المسئولية الكبيرة التى لا تقع الا على عاتق الطبيب النفسى فأهل العلم هو أولى و أقدر الناس لمساعدة غيرهم و ليس عامة الناس و التى من الممكن ان يكون بعضهم صاحب نفس مريضة تضر بالشخص أكثر أو كمن يقدم نصيحة لغيره  تزيد من سوء وضع المريض بالاكتئاب و غيره من الأمثلة المعروفة .

 أخيرا وما علينا فعله هو تقديم كل الدعم لأصحاب المرض و نصحهم بالتوجه للمُختصين و ضرورة زيادة و أهمية التوعية بالمرض النفسى و أنواعه و درجاته و خطورته حتى لا يصاب المجتمع بمزيد من اليأس و تزداد حالات الإنتحار الجنونى كما نشاهد ،ما علينا هو تغيير نظرة المجتمع لكل هذا و رفع شعار ان المرض النفسى ليس "وصمة عار"، و لكنه مرض يحتاج الى علاج فقط و دعم و ليس زيادة عبئ على المرضى و اصدار صكوك الأحكام كما نفعل فى كل مرة بلا رحمة ،علينا ان نحد من هذا الجهل المعرفى و ازدياد الامر سواء فى ظل مُتغيرات الحياة شديدة القسوة و ايقاعها السريع ،و عدم قدرة البعض أحيانا على دفع مصاريف العلاج النفسى و هو الأمر الذى لابد لكل المُختصين إعادة النظر فيه لأن اغلب من يعانون و يريدون العلاج  لا يملكون حق دفع المصاريف الباهظة الثمن للشفاء من أوجاعهم و التى بكل أسف يتاجر بها البعض و هو ما يزيد من اكتائبهم بالطبع، فالمجتمع كله يحتاج للرحمة ببعضه البعض و إعادة النظر فى إنساينتنا مرة اّخرى.

 

اليوم الجديد