http://elyomnew.com/ReadersNews/Details/267?n=الشيخ_الطبلاوى.._وداعاً_صاحب_النغمة_المستحيلة

اليوم الجديد

الأحد 31 مايو 2020 - 18:22
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
الشيخ الطبلاوى.. وداعاً صاحب النغمة المستحيلة

الشيخ الطبلاوى.. وداعاً صاحب النغمة المستحيلة


إذا كانت الحقيقة ثابتة ومؤكدة ومجمعاً عليها بأن مصر هى البلد الأكثر تميزاً فى تلاوة آيات كتاب الله الكريم، فإن من الثابت والمؤكد بنفس القوة، أن فضيلة الشيخ محمد محمود الطبلاوى الذى فارق دنيانا منذ أيام هو واحد من عمالقة دولة التلاوة صوتاً وتلاوة وفناً وأداءً وقبولاً من الجماهير.

"الطبلاوى" الذى ولد فى قرية ميت عقبة بمحافظة الجيزة، وتعود أصوله العائلية إلى قرية صفط جدام، التابعة لمركز تلا محافظة المنوفية، ليس قارئاً فذاً وعبقرياً فقط، بل هو شخصية درامية بامتياز.
 بعد أن أتم الطفل محمد محمود الطبلاوى حفظ القرآن الكريم وترتيله وبعد ظهور علامات تميزه على زملائه فى (الكُتاب) بدأ يلبى دعوات لحضور المناسبات المألوفة فى ذات الوقت  مثل الأربعين، والذكرى السنوية، وبعض المناسبات البسيطة، وكان  يتقاضى ثلاثة جنيهات فى الليلة، وعندما حصل على خمسة جنيهات فى إحدى المناسبات لم يتمالك نفسه من الفرح، وظن أنه بلغ آخر حدود الشهرة والنجومية.
تمر الأيام ويتطلع الشاب الصغير إلى الالتحاق بالإذاعة ، ورغم قدراته الصوتية العالية وإتقانه أحكام التلاوة، فإنه تم رفضه من قبل لجنة الاستماع والاختبار تسع مرات متتالية، وهذا رقم قياسى فى الرفض ربما لم ينافسه فيه قارئ لا من قبل ولا من بعد..  والحقيقة أن اللجنة كانت ترفضه؛ لأنه كان مفتقداً الانتقال النغمى؛ أى لا يجيد أن ينتقل من نغمة إلى أخرى، وأنه كان مفتقداً وجود طبقات موسيقية فى صوته.
ولأن العظماء لا يعرفون اليأس، استطاع (أيوب القراء) فى  المرة العاشرة أن يحظى بالقبول بإجماع أعضاء لجنة اختبار القراء، وفى تلك المرة أشاد المختصون بالموسيقى والنغم، والانتقال من مقام موسيقى إلى آخر بإمكاناته وقدراته العالية، ليُعتمد الطبلاوى قارئاً بالإذاعة المصرية، وكان ذلك عام 1970.
وهنا بدأت الدنيا تبتسم لعريس الإذاعة الجديد، ليكون القارئ الوحيد الذى اشتهر، وترك تأثيراً كبيراً فى آذان وقلوب المستمعين مع أول إطلالة إذاعية له وأول ربع ساعة ينطلق فيها صوته عبر الأثير.
ومع أواخر السبعينيات يبدو أن مشيئة الله أرادت للطبلاوى أن يزداد شهرة وتألقاً فى وقت غيب فيه الموت المشايخ الكبار رفعت، والمنشاوى، ومصطفى إسماعيل، لتصبح الفرصة واسعة أمام القارئ الواعد أن يدخل الساحة التى ما زالت تضم كباراً مثل عبدالباسط عبدالصمد، والحصرى، ومحمود على البنا، وشعيشع، واستطاع باجتهاده ودأبه وموهبته وإتقانه أن يثبت للجميع أن الدنيا تشهد بزوغ موهبة حقيقية ودم ولون جديدين فى عالم التلاوة.
ولك أن تتخيل أن الجيل المولود فى السبعينيات والثمانينيات، كان دائماً ما يربط بين اسم كبير كاسم الشيخ عبدالباسط وبين اسم الشيخ الطبلاوى، فكان الناس كلهم تقريباً فى هذا الوقت حين يُسألون عن قارئهم المفضل تأتى إجاباتهم حرفياً (عبد الباسط والطبلاوى) أو (الطبلاوى وعبدالباسط).
وبالفعل فقد أجرى استفتاء على نجاح الأعمال الإذاعية، وبخاصة الإذاعات الخارجية، وكانت نتيجة الاستفتاء حصول الشيخ عبدالباسط كقارئ إذاعى من الجيل الأول على المركز الأول، وحصل الشيخ الطبلاوى على المركز الأول على القراء الجدد.. وظل الطبلاوى طوال حياته فخوراً بمقارنة الناس بينه وبين الشيخ عبدالباسط، مؤكداً أن علاقته بالشيخ عبدالباسط كانت علاقة ودودة وطيبة، ووصلت لدرجة أن الشيخ عبدالباسط عندما كان يدعى فى سهرات وحفلات عزاء ويكون الطبلاوى معه، كان يفضل الطبلاوى على نفسه فيقدمه ليقرأ قبله، ولو بدأ هو بالقراءة كان ينتهى من التلاوة بسرعة؛ حتى يتمكن الطبلاوى من أخذ فرصته أمام الجمهور.
فى كتابه الصغير والممتع (ألحان السماء)، يقول الكاتب الكبير محمود السعدنى عن صوت الشيخ الطبلاوى: "لم أستمع إليه فى بداية أمره، والذى لفت نظرى إليه هو الأستاذ الشاعر العراقى الكبير حميد سعيد الذى طلبنى ليعرف رأيى فى صوته، ولما أبديت جهلى به اندهش كثيراً وقال معلقاً: عندما أسمعه أنفجر باكياً". وأضاف: "إن صوته يحمل هموم وأحزان كل العرب القدامى والمحدثين".
وفى محاولة للبحث عن تحليل لصوت الشيخ الطبلاوى، لم أجد أفضل من تلك الكلمات التى وصفته بها الكاتبة أسماء إبراهيم: "صوت رخيم لا لينة فيه، راسخ وعتيق يأخذك كما الكمان الجهير بمداه الصوتى المشابه للصوت البشرى، 
صوت تام التجريد تتراجع الحلية فيه لصالح الصنعة وقواعد الأحكام فيخلق جماليته المجردة  الخاصة به وحده ولتستمع لموسيقاه الذى ظل يدفع عنه شبهتها.
صوت ينفى عن نفسه تهمة اللحن فى القراءة وزيادة مقدار الغُـنَّـة لجذب انتباه المستمع. صوت يدعى صاحبه أنه أبعد ما يكون عن توسُّـل النغم".
حكايات الشيخ الطبلاوى مع أهل الفن تعكس لنا مدى العناية والتقدير الذى حظى به صوته وموهبته من قبل أهل الفن، فهذا هو الشاعر الكبير مأمون الشناوى يطلق عليه منذ بداياته  "قارئ الزمن الآتي".. والمدهش أن هذا قد حدث فى وقت  كان الشاب محمد محمود الطبلاوى مؤذناً وقارئاً فى مسجد شركة  موتسيان للدخان.
وكان الشيخ الطبلاوى من عشاق الاستماع لأسمهان وسعاد محمد ولكوكب الشرق أم  كلثوم التى كانت تدعوه لقراءة القرآن فى منزلها وتشيد بقفلاته للآيات قائلة: 
- القفلة بتاعتك مضبوطة يا شيخ محمد.
فيرد عليها بكل تواضع:
ده من ذوقك يا ست.. انتِ سمـيـعة كويسة.
أما حكاية الشيخ الطبلاوى مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب فحكاية لها العجب.. كان الطبلاوى ذائع الشهرة والصيت، ورغم ذلك كان يرسب فى اختبارات الالتحاق بالإذاعة، وقد علم الأستاذ محمد عبدالوهاب بالأمر.. وفى إحدى المناسبات التى جمعت بين الرجلين، قال الموسيقار للشيخ: أحبالك الصوتية لا نظير لها وهى معجزة من الله، لكن من الضرورى أن تأتينى لأعلمك النغم الموسيقى.. لكن الطبلاوى رفض الاستجابة لهذا العرض السخى، والذى أظن أنه لو قدر واستجاب له لكان أداء الشيخ أفضل وأكثر إمتاعاً مما كان يقدمه وما تعود عليه جمهوره ومحبوه.. على كل برر الشيخ الطبلاوى رفضه عرض عبدالوهاب بتلك الكلمات البسيطة: "كنت محباً لحالتى التى جلبت لى الشهرة وحب الناس وهو القراءة كما تعلمتها من الطبيعة".. المهم أن العلاقة بين عبدالوهاب والطبلاوى على ما يرام، فالموهبة بطبعها تحب الموهبة وتقدرها، وبحسب الكاتب الكبير محمود السعدنى فى (ألحان السماء) ظل عبدالوهاب إلى آخر يوم فى حياته يرى أن الطبلاوى عبقرى فى صوته وأنه يملك القدرة على أداء النغمة المستحيلة.