http://elyomnew.com/ReadersNews/Details/233?n=حكاية_جهاز_العزل_الجديد_وصناع_المواقف

اليوم الجديد

السبت 30 مايو 2020 - 15:48
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
حكاية جهاز العزل الجديد وصناع المواقف

حكاية جهاز العزل الجديد وصناع المواقف


 

مواقف الرجال دائما ما تصنعها الأحداث، أو أنها هي التي تصنع الأحداث، ومن خلال الحدث يمكن الحكم على مدى قدرة الرجل على إثبات ذاته وجدارته في التعاطي معه.

 وإذا كان الواقع يثبت أن فئة من الرجااللو بمقدورها أن تبلي بلاء حسنا في أوقات الأفراح فإن الفئة الأهم هي التي تظهر جلدا  في أوقات الأتراح، وهي التي تستطيع أن تواسي وتمسح  وتزيل الألم وتخفف الكرب وهذه هي ثقافة الرجولة التي  تصنعها التربية وتصوغها قدرة الفرد على العطاء، وهنا فقط يمكن اكتشاف معادن الرجال ويمكن التمييز بين الرجولة الحقيقية والرجولة المصطنعة، بين رجولة المواقف وبين رجولة المنافقين والمستفيدين وكذابي الزفة وأصحاب المنافع والمصالح.

أقول ذلك بمناسبة ما طالعته عن مُبتَكر الأخ العزيز والصديق الغالي الدكتور خالد السنديوني أستاذ التصميم الصناعي بأكاديمية الشروق، ذلك الاختراع الذي ولد من رحم المعاناة التي يعيشها العالم بسبب فيروس كرونا.

الابتكار الجديد عبارة عن سرير عازل يوفر جميع احتياجات العزل الصحي، بصورة تؤمن رعاية أفصل للمريض ومزيد من الأمان للأطباء والكوادر الطبية المساعدة.

تعرفت على هذا الابتكار عبر منشور للصديق العزيز اللواء دكتور أيمن الضبع على صفحته الخاصة، بموقع فيس بوك، وقد دفعني الفضول للتعرف على مزيد من تفاصيل الابتكار، فاتصلت بالدكتور خالد، الذي وجدته مهموما بتسخير تخصصه للمساهمة في وقف زحف الفيروس.

ولأن الحاجة أم الاختراع، فقد استلهم السنديوني هذه الفكرة من حضانة الأطفال، وبدأ يعكف على تطويرها وتطويعها لمواكبة وموائمة عزل مرضى كورونا.

عبقرية الفكرة تكمن في بساطتها وسهولة تطبيقها على أرض الواقع، وتنفيذها من خامات محلية وبكميات يمكن أن تفي بالغرض أو على الأقل تساهم مع التجهيزات المتوفرة في تحقيق القدر الآمن من الرعاية لمصابي ومطببي كورونا.

ثم الأهم من ذلك أنك تجد من بين فئات الشعب من هو مهموم بالصالح العام، ومن يحاول إيجاد حلول، ومن يحاول المشاركة، سواء بعلمه أو بفكره أو بماله، أو حتى بالدعاء (أضعف الإيمان).

وأقارن بين هؤلاء وبين آخرين استغلوا المخاطر التي تحاصرنا –رغم أنهم ليسوا في مأمن منها- لتحقيق مكاسب خاصة، وللمتاجرة في آلام الناس، أو ركوب الموجة وجني أرباح من ورائها.

أعتقد أن الفارق شاسع وأن الفجوة واسعة بين هؤلاء وأولئك، بين أناس الرجولة عندهم سجية وليست صنعة، وآخرين الرجولة عندهم ليست سوى شعارات زائفة وادعاءات باطلة.

عند هذا الحد تسقط الأقنعة ويبدو كل أمر في نصابه الصحيح وتنكشف سوءات غطاها الزيف وتظهر عورات سترها الضلال، ثم إذا بها أمام أول هبة لرياح الحقيقة تسلم الراية معلنة عن جوهرها الحقيقي مسقطة عن نفسها تلك الأقنعة التي طالما تخفت ورائها والحجب التي كانت تظن أنها تحجب حقيقتها عن الناس.

أحيانا أحدث نفسي ما بال هؤلاء بعدما تنكشف حقيقتهم ويتعرون أمام من كانون ينسجون أمامهم ثياب الفضيلة؟ ما بالهم ونظرات الاستهجان والاحتقار ترمقهم ولسان حالها يقول ليتنا نسترد نظرات الإعجاب وعبارات الإطراء التي كنا نحوطهم بها، ليتنا نقدحهم بكل عبارة مدح قلناها في حقهم ليتنا نفضحهم على رؤوس الأشهاد حتى لاينخدع فيهم غيرنا كما خدعنا فيهم من قبل، ليتنا نحذر كل من ينظر إليهم نظرة إعجاب حتى لايوقرهم مثلما وقرناهم ثم لا يلبث حتى يجد نفسه أمام نوعية من الناس غير تلك التي رسمها في مخيلته.

لذلك فإن التأني في الحكم على الناس والتعرف عليهم ضرورة واضحة يفرضها الواقع المجتمعي لا أقول الحالي  بل هو الواقع الدائم لأن هذا هو حال الدنيا وسوف يظل حالها، الفارق الوحيد هو إمكانية الاستفادة من التجارب السابقة في الحكم على الأشخاص، خاصة أن الكذب أعرج ليس له قدمين يمشي عليهما، وهو في الوقت ذاته قصير النفس قصير الأمد غير مأمون العواقب.

أعود لابتكار الدكتور خالد السنديوني الذي جاء في وقته، معبرا عن شريحة من أغز ما يملك المجتمع، هم شريحة أساتذة الجامعة من العلماء والباحثين، الذين رأوا ألا يدعوا الأطباء وحدهم على المواجهة مع خطر كرونا.

الدكتور خالد وبالتأكيد هناك غيره من المخلصين من أبناء الوطن قدموا وسعهم، من خلال علمهم وأبحاثهم.

بقي إذن دور المجتمع في تبني وتنفيذ وتنمية وتطوير واستغلال هذه المبتكرات وغيرها.

أتصور أن شركات ومصانع التجهيزات الطبية في مصر الآن أكثر من أي وقت مضى، ومعهم رجال الأعمال من أصحاب رؤوس الأموال الوطنية، مطالبين بالنظر إلى هذه الابتكار، خاصة ونحن في وقت لم تعد لدي الدول رفاهية تصدير أجهزة طبية حتى نعتمد عليهم ونستوردها منهم، فما حك جلدك غير ظفرك،  وفي وقت تسرق فيه دول المساعدات الطبية المقدمة لدول أخرى، وفي وقت يتنازل فيه أحد أكبر مصانع أجهزة التنفس الاصطناعي عن حقوق ملكية تصنيعه، لأننا في سباق مع الفيروس لا يسمح بالبحث عن حقوق الملكية، وفي وقت أصبح لكل الدول شأن يشغلها عن غيرها.

ونحن في هذا الوقت وفي هذا الظرف لدينا مبتكرات جديرة بأن ننفذها وننتجها على أرضنا وبأيدينا ومن خاماتنا لأبناء وطننا.