http://elyomnew.com/ReadersNews/Details/231?n=Cold_War..._الحب_المستحيل_.._عشق_اللا_سلم_اللا_حرب

اليوم الجديد

السبت 30 مايو 2020 - 16:50
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
Cold War... الحب المستحيل .. عشق اللا سلم اللا حرب

Cold War... الحب المستحيل .. عشق اللا سلم اللا حرب


 عندما يرتقي الحب إلي المستحيل، يصل لأعلي مراتب العشق الأبدى دون أي قواعد وبلا أي حدود.. قاهر وكاسح علي مر الزمن كما عذاب الحرب الباردة.. لا سلم لا حرب للأبد.



في هذه الملحمة البصرية الممتعة يأخذنا صاحب الأوسكار عن فيلم (Ida2013) المخرج والكاتب البولندي الكبير بول بوليكويسكي Pawl Pawlikowski إلي تجربة مختلفة وفريدة من نوعها استحقت 12جائزة أهمها جائزة مهرجان كان السينمائي 2018 كأفضل إخراج وتم ترشيحه لسعفة كان الذهبية أيضاً وأفضل فيلم بمسابقة الأفلام الأوروبية 2018 وأيضاً حازت بطلته المغنية والممثلة جوانا كوليج Joanna Kulig علي جائزة أفضل ممثلة بمهرجان ألجونة السينمائي الأخير 2018 بخلاف 7 تريشيحات هامة بمهرجانات عالمية أخري

صاغ الكاتب أحداث الفيلم متأثراً بتاريخ وثقافه بلاده في هذه الحقبة (1949- 1964) المتمثلة في تبعيات خراب الحرب العالمية الثانية وما خلفته من تدهور سياسي وأقتصادي وإجتماعي علي بولندا في هذا الوقت، وأستعار أسماء والديه الحقيقين للأبطال وهيكل معناه قصة حبهم الكبير في الواقع في هذا العمل الخاص جداً الذي أخرجه بميكانيزم منفرد يجعلك تصدق أنها مشاهد حيه من هذه الفترة 
وليس مجرد إخراج جيد يحاكي الزمن القديم لذا قدمه في صورة الأبيض والأسود لأنها الصورة الأكثر صدقاً لهذه الحالة الضبابية التي عانت منها بولندا في مثل هذا الوقت وأيضا للإيحاء بالتضاد القوي والمعاناة بين شخصية بطلي العمل والمشتركان فقط في حياتهما البائسة رغم إختلاف خلفياتهما تماماً شكلاً ومضموناً.

تبدأ الأحداث ببولندا عام 1949 مع بحث فرقة التراث الريفي البولندى للفنون الشعبية عن مغنيين وراقصيين لبث هذه الروح الفلكورية من جديد فنجد أن الأغاني في الخلفية طوال الفيلم منذ بدايته تلعب دوراً مميزاً لا يقل أهمية عن أبطال العمل في سرد الأحداث وحكي المواقف المصاحبة لكل مرحلة في هذا الفيلم الهام، أحتسبت نقطة قوية وهامة في كتابة السيناريو.


"قلبان وأربعة عيون – كانت تبكي طوال الليل والنهار – العيون السوداء التي كانت تبكي ما عاد يمكنك أن تلتقيها" هكذا غنت زولا (جوانا كوليج Joanna Kulig ) في سحر أسر تلابيب فيكتور (توماز كوت (Tomasz Kot في أقتحام معلن عن بداية عشق فريد مخترق لكل حواجز الواقع.. تميزت عن الجميع وسطعت وحدها وسطهم منذ اللحظات الأولي، شيء ما غامض بل ساحر لايقاوم فهي جامحة ثائرة مجنونة، عنيدة ومسيطرة حادة متقلبة المشاعر بل موهوبة بالتفرد والذكاء أكثر من الغناء لها طاقة روح وإحساس غير معلومة الأسباب. لم يجد فيكتور أمامها إلا الأستسلام لعشقها كما فشل المنطق لإيجاد أي أسباب تجعله يقع أسير هذا الغرام فيهجر المنطق بكل ما فيه ويكرس حياته سعياً خلفها مهما كانت العواقب.

 

وارسوا 1951 - الأحداث السياسية في الخلفية مستمرة وتأخذ منعطفاً قاسياً يجبر الفرقة علي ترك أغاني التراث الريفي والإتجاة لتمجيد الرؤساء والحث علي السلام والتطبيع المزيف فتفقد الفرقة روحها الحقيقية ويتم إصباغها بالأغراض السياسية قهراً ويتكسب منها مدير الفرقة أموالاً ونفوذاً وسلطة وهومايرفضه فيكتور تماماً ويتفق مع زولا علي الهروب لفرنسا لقضاء بقية عمرهما سوياً.. تخذله وتتركه ينتظر وحيداً لساعات بل سنوات! أهلكته كما هلكت تلك الأنظمة شعوبها وتستمر الحرب الباردة لسنين تستنزف الدول والعاشقان معاً
 

   

 

باريس 1954 – نقلات زمنية كبيرة قصد بها المخرج نمط القفزات علي مدار الفيلم، تبني من خلاله أسلوب وقوع الحدث دون تنويه أوتحضير له ليبرز قوة المشهد اللحظية ويتم ربط الأحداث بعدها من قِبل المشاهد ذاته في متعة وسلاسة.. نجد فيكتور يعمل كعازف بيانوفي إحدي كازينوهات باريس كوسيلة للكسب المادي فقط لكنه فقد شغفه بالحياة تماماً بعد رحيلها ثم يحدث اللقاء بينهما وتعترف زولا بصراحتها المعتادة والصادمة بحبها الدائم له، لكنها أكثر واقعية لذلك خذلته في الهروب لأنها متأكدة بفشل هذه القصة الحالمة ولكنها مازلت تعشقه رغم أنها الآن متزوجة وهومرتبط بأخري! لكن سيظل عشقهما مؤثر، مسيطر وفارض ذاته علي حياتهما دون حيلة في ذلك، لذلك يلقبها فيكتور بإمرأة حياته وقاتلته.. قد تكرها أوتحبها وقد تنفر من ضعفه وإنتظاره لها مهما كانت الظروف لكن قصة عشقهما باتت كأمر واقع ومعذب لكل من فيها ولا يوجد حل كما حال الحرب الباردة المسيطرة علي البلاد.

 

يوغوسلافيا 1955 – تستمر زولا في جولات فرقة الفنون المُسيسة تغني بلا روح وتشعر بالخواء تستسلم لحقيقة أن الموت في فراقهما ولا يبعث النور من جديد إلا بالقا.. يخاطر فيكتور بحياته للوصول إليها هناك لكن يتم ترحيله مرة أخري لفرنسا.. الواقع مرة أخري يفرض نفسه ويهلك هذا العشق الحقيقي.

 

باريس 1957 – تتوقف الحياة ولا تعود إلا بها عندما سافرت له في باريس وكان هودائم الأنتظار لها وللحياة ذاتها فنهلا من عشقهما دون إكتفاء وإطمئنا مؤقتاً لهذه الحياة الجميلة لكن سرعان ما أغتال الواقع هذه الصورة العاشقة وفرقهما في ألم بمشهد بديع عندما كانت تشدوبوجع نفس الأغنية القديمة لكن بإختلاف كلاماتها هذه المرة " كان الأحتقان قادر أن ينفجر في عيوننا – وكنا جاهزين كي نفترق كحبيبين " ورحلت مرة أخري إلي بولندا وتكرر الفقد والرحيل يُميت أجزاء من العاشقين وهما لازالا علي قيد الحياة.                   

بولندا 1959 – خاطر فيكتور بحياته مرة أخري كي يصل إليها في بولندا لكن تم سجنه علي الحدود وتعذيبه حتي شوهت أصابعه فلا يقوي علي العزف مرة أخري، فهوالآن هالك من دونها ومن دون شغفه في الحياة ولم ينقذه من هذا الموت الطويل إلا رؤيتها عندما زارته في السجن وأستطاعت إخراجه.

 

1964 يتوصل العاشقان لحقيقة لا يمكن إغفالها بعد كل هذه السنين، بأن العشق النقي لا يقوي علي الأستمرار في هذا العالم البغيض وسيقهره القدر بإستمرار كالمدينة الفاضلة التي لن نجدها أبداً في هذه الدنيا، دوماً ستتحكم السياسات الدنيئة في مصائر الشعوب ومعاناتها. رغم أن زولا تزوجت وأنجبت صبي من مدير الفرقة الوصولي لكنها تستنجد بفيكتور لطلب وسيلة النجاة الأخيرة وهي الخروج من هذا العالم المزيف وعدم العودة إليه مطلقاً.. ففي فراقهما الموت الحقيقي أما السبيل الوحيد في البقاء سوياً هوالخلود في الحياة الأخري.

 

في مشهد رائع ومؤلم بنفس مكان لقائهما الأول يتزوجا للأبد ويتخلصان من حياتهما الدنياوية سوياً كوسيلة للنجاة من موت الفراق وحفاظاً علي إستمرارية هذا العشق النادر.
عشق الحرب الباردة.نختتم الفيلم بقولها :" تعالي معي إلي الجهة المقابلة سنري مشهد أجمل من هناك ".