http://elyomnew.com/ReadersNews/Details/228?n=فراق_العمر

اليوم الجديد

الخميس 4 يونيو 2020 - 22:56
رئيس مجلس الإدارة
أحمد التلاوي
رئيس التحرير
إبراهيم موسى
فراق العمر

فراق العمر


يشهد عشاق السينما فى نوفمبرمن كل عام ذُخرة وفيرة منتقاة من أجمل الأفلام الأوروبية من خلال بانوراما الفيلم الأوروبي الذى عادة تستضيفه سينما زاوية والزمالك كخطوة ثقافية حضارية هامة ومؤثرة في تطورفكر دور السينما المصرية لنشر الوعي بأهمية الأفلام الفنية الغير إستهلاكية.
ونجد مهاوييس الشاشة الفضية مقبلون بشراهة علي المهرجانات السينمائية الأوروبية فى العموم لما يختص به فن السينما الأوروبية وما يميزه من إبداع خالص فى عناصر السينما الأساسية والتركيز عليها منفردة من فنون السرد والكتابة، الأخراج والحكى، السيناريووالحوار الجذاب الذى يمتصك بداخل سطوره، التمثيل شديد الواقعية، إيقاع مختلف قد يهاجمه البعض بالبطء لكنه يحتوى دائما علي مغذى أعمق بداخله يشبع ملذات المتفرج ويدمنه من كافة النواحى ويكتمل بإبداع مختلف وفريد فى فنون الأضاءة والتصوير والموسيقي تسحرك بفن من نوع آخرغير المعتاد عليه من معظم أفلام السينما الأمريكية التجارية التى تعتمد عادة على الأبهار وسحر ونجومية الأبطال.

Truman -  من بانوراما الفيلم الأوروبي

 
أنه نوع خاص من المتعة له خصوصيته ومذاقه الذى يبقى معك بعد إنتهاء الفيلم وتعيش به لفترات طويلة مؤثراً فيك بأشكال عديدة ومنها أختص بالذكر فيلم ترومان Truman إنتاج عام 2016 والذى أسعد بعرضه علي المشاهد والقارىء العزيز اليوم.
الفيلم من بطولة الممثل الأرجنتيني ريكاردودارين وهوممثل متميز جداً وله أعمال رائعة أشهرها فيلم ((The Secret in their eyes     عام 2009 الذى تم إعادة صياغته بالنسخة الأمريكية التى تحمل نفس الأسم عام 2015 من بطولة تشوتل إيجيوفور مع نيكول كيدمان وجوليا روبرتس لكن للأسف كان أضعف جدا على كافة المستويات السينمائية ولا يقارن بتحفة مخرجه الأول الأجرنتينى خوان خوسيه كامبانيلا.
يحكى فيلم ترومان عن صداقة عمر تجمع بين رجلين رغم أن كل منهما يسكن بقارة مختلفة. 
ريكادور دارين أو(جوليان) بالفيلم يعيش بأسبانيا وصديق عمره (توماس) الذى يجسده الممثل الرائع خافييه كامارا يأتى لزيارته من كندا ولمدة أربع أيام فقط..
أربع أيام تستعيد صداقتهما عمر كامل حيث يعلم كلاهما أنها ستكون آخر زيارة وآخر وقت سوف تُتيحه الدنيا لهما حيث يعانى جوليان من مرض خبيث توحش مؤخراً ولا يمكن علاجه، فقرر (جوليان) بشجاعة التوقف المفاجىء عن العلاج حتى لا يمضى ما تبقى له من عمره وهووقت محدود جدا بين المستشفيات والعقاقير الغير مجدية. 
نتوغل بسلاسة في أعماق حياة البطل ومن حوله ويتميز الفيلم بطرق سرد مبدعة ومختلفة من خلال سياق الفيلم وليست مباشرة ودخيلة فقط لأعطاء معلومات عن أبطاله.
(جوليان) مطلق ولوأبن يدرس بهولندا وأبن آخر كما يقول هومن شده أرتباطه به هوالكلب ترومان الذى يحمل أسم الفيلم ومن خلال 110 دقيقة هم وقت الفيلم نبحر مع (جوليان) بأدائه السلس الصادق كيف يودع حياته بكافه تفاصيلها التى سوف يستغربها البعض أوالكل والتى سأتركها عمداً كي يستمتع بها المشاهد على طريقته.
جمال الفيلم يتمركز فى شده بساطته، فبرغم من مأساة القصة والتى قد تتيح للمخرج آهات من الميلودراما المبالغ فيها وتسول سهل لمشاعر المشاهد غير أنه غيٌر بتحدى ناجح جدا نمط الفيلم لإيقاع شديد الهدوء والواقعية.. نمط فعلا حقيقي وصعب وهذا هوأول سبب فعلي مؤثر على المشاهد بشكل غير مباشر، يمكن أن نطلق عليه أسلوب تحريضى درامى بمنتهى الذكاء من كلا الكاتب والمخرج.
التفاصيل شديدة الواقعية تترك المشاهد فى صدمة يليها تأثر دفين يلمس ذاته داخلياً وبشكل شخصي ستجد نفسك تربط بينك وبين تفاصيل الأبطال وتتوحد معهم ومع مشاعرهم بشكل مؤلم لكن فى شجنه جمال غريب وغير مسبوق.
لن تجد فى هذا الفيلم دمعة واحدة رغم أن جميع المواقف تحتمل إنهمار وسيل من الدموع وأنهيار أبطالها لكن براعه ممثليه هى فى بكائهم الداخلى وشده التأثر بالموقف ذاته عن التعبير الميلودرامى عنه. 
تترقق العيون أمام الكاميرا ببوادر جفون مبتلة لكن لا تكتمل كى يذرفها المشاهد من ذاته تلقائياً.
قدم الممثل خافييه كمارا (توماس) أداء مذهل قد يتفوق به عن البطل الرئيسي (جوليان) حيث يعتمد هنا صديق البطل فى أداءة فقط على رد الفعل المأخوذ من مشاعر البطل الرئيسي وهذا من أصعب أنواع التمثيل حيث لا يوجد أى نوع من الأدوات الخارجية للممثل فهويعتمد فقط على شعوره الداخلي وبراعة توصيله للمشاهد فقط من خلال ملامحه الصامتة ونظرات متقطعة بألف معنى.
الفيلم يضعنا أمام الحقيقة الوحيدة المؤكدة فى الكون وهى الموت والزوال وبرغم من صعوبتها لكن حينما يحين أجلها علينا الرضوخ والتقبل، بل الشجاعة فى أستقابلها بصمود وهذا من أصعب تحديات الوجود فى حد ذاته.
نحن كبشر نخشى ونخاف الفناء والزوال ونرضى بتحمل الألم والمهانة والمشقة فقط لعدم الخوض فى النهايات. من كثرة المعاناة والوجع ننبذ حقائق الدنيا وننكرها بشدة ونرفضها.
الأبن رافض فكرة زوال وموت أبوة كما رفضت عائلة أن تتبنى الكلب ترومان لأنه عجوز وعمره أوشك على الأنتهاء، مثلما رفض كل من حول (جوليان) تقبل خبر موته القريب وهولازال على قيد الحياة وتم فصله من عمله فالبقاء فى الحياة القاسية دائما لصاحب العمر الأطول.
لويعلمون أن الدنيا بأكملها ماهى إلا مجرد مرحلة زائلة، ما تمركزت قسوتهم على كل من هم قربوا من الأنتهاء منها.
 ولايقاوم الدنيا ومرارتها غير الصداقة والعلاقات الحقيقية التي يثبتها فقط الوقت والأستمرارية، كما بدء البطل حديثه لصديقه قائلا: " العلاقات هى أهم شىء ".
النهايات.. العجز.. المرض.. الموت.. 
العلاقات الحقيقية لا تتأثر بتلك الحقائق الموجعة فتستمر بعد موت أصاحبها وتظل خالدة للأبد.
وهذا يفسر طبيعة العلاقة العميقة الراسخة للبطل بكلبه ترومان، علاقة بمنتهى الرقى والجمال والإنسانية لأن الحقيقة فعلا أن ترومان هوأكثر من حوله تأثراً برحيله، فعلاقة الكلب بصاحبه تختلف كل الأختلاف عن علاقات الإناس ببعضها البعض.. فالبطل للكلب ترومان هوكل حياته ويتمحور كونه عليه فقط، الكلب كائن ينطبق عليه فعلا الحب الغير مشروط وتناوله الفيلم هنا ببراعة وحرفية دون إرغام أوفرض لكن بمنتهي العقل والمنطق ونعمة الشعور.
ومما لاشك فيه أنها رسالة للإنسانية أجمع أن نتعلم من كائنات أكثر منا صدقاً وشغفاً بالعلاقات الحقيقية عنا. 
لكن الأشخاص من حول (جوليان) مختلفين وهذه طبيعة البشر فحتى مهما توطدت العلاقات وساد فيها حب وتعلق شديد سيتخلله أنانية ومشاعر مختلطة ومصالح شعورية وليست ضروري أن تكون مادية كما وضح لنا بعلاقات البطل بحبيبته، فهى تصر على بقائه حي بجانبها مهما كانت حالته الصحية مذرية ومهينة ومهما طالت معاناته وآلامه، فقط من أجل البقاء بجوارها وتجنب مواجهة النهاية.
وهذا ماتعلمه رفيق العمر (توماس) من ترومان الكلب. تعلم أن يقدر شجاعة صديقه (جوليان) ويتقبل فراقه ويعيش على الصداقة الجميلة التى سيمتد عمرها أكثر من الصديق ذاته.
“The power of letting go and moving forward and not moving on”

وعند هذه اللحظة فقط قرر (جوليان) ترك ماتبقى منه وهوكلبه ترومان فى رعاية صديقه (توماس) لأنه الوحيد الذي أدرك هذا المعنى وبأن الصداقة ستظل من خلاله ومعه الي الأبد فكان مشهد النهاية فى المطار مكان الوداع المعتاد وقد يوحى أيضا أنه مكان استقبال جديد فى زمن آخر وعالم آخر لا يفنى بزوال.
الفيلم من أخراج المخرج والكاتب الأسبانى (كيساك جاى) الذى اشترك مع كاتب الفيلم أسبانى الجنسية أيضاً (توماس أراجاى) فى كتابة هذا الفيلم، فهما ثنائى شهير لهما أعمال عديدة متميزة سوياً وأيضا مع نفس الأبطال مثل فيلم الكوميدى A Gun in each Hand 2012 أومسدس بكل يد.
عمل هذا الثنائى على تناغم مشترك طوال الفيلم، فالأخراج بسيط ولا يطمع للتعقيد من أجل أى افتعال درامى وركز المخرج أن تكون الصور دائما براقة ومشرقة كان هذا واضح من حرفية الديكور والأضاءة ومكياج البطل المذهل الغير مبالغ فيه بتاتاً وكادرات التصوير ليُبرز هذا التضاد فى المعنى ويوضح ألم الفراق والنهاية رغم أستمرار الحياة المعتادة كما هي.
جاء الحوار إنسانى وحقيقى وفى منتهى الواقعية حيث (جوليان) البطل يريد آلا تنتهى حياته بمبالغة صارخة كأدواره كممثل مسرحى يسدل عليه الستار الآن مهنياً وواقعياً.
أنتقل بعدها الكاتبان لحدث درامى صادم فى ختام الأحداث عندما يقيم (توماس) علاقة جنسية مفاجأة مع حبيبة صديقه (جوليان) غيرمرتبة لكنها تفتقر لأى غرائز أوشهوات جنسية وما هى إلا حدث متطرف منهما من شدة الألم والضغط وإنكار لفراق الصديق والحبيب.. كعادة السلوك الإنسانى عامة في إيجاد أسرع طريقة لعلاج الوجع هوتشتيت العقل بالجنس، غير أنهما وجدا فى هذه العلاقة طريقة ما لتوديع الشخص المشترك بينهما. فكلاهما وجدا (جوليان) موجود ومحفور فى وجدان وروح وجسد وعقل الآخر.
هذه موازنة ذكية وماهرة من الكاتب كى يوازن هدوء إيقاع أحداث الفيلم مع هول الحدث والعقدة الأساسية فيه.
ترومان Truman أى رجل بحق ولا أعتقد أن أسم الكلب جاء مصادفة، فالروح الحق تُقَدر ننعمة الحب والعطاء اللامنتهى فى أى صورة كانت.
الفقد جائز والفراق حتمي في وقت ما، هكذا تكونت فلسفة الكون حتي فنائه، فهل يجدى العناد فيما لا تستطيع التحكم فيه أم لديك من الشجاعة والصدق ونعمة الأخلاص والحب أن تتمسك بالمعاني وقيم وأصل الأشياء التي لا تنفني أبداً حتي بفناء العمر.