نسبية الجمال

نسبية الجمال

 

 

وقف خمسة أصدقاء تحت دوحة باسقة ، يرقبون على بعد أمتار عرس سلافة ؛ تلك الغيداء التي برزت من أوراق الريف كوردة يانعة تفوح بالشذا ، بنوح ؛ الفتى الخجول الذي تبعث هيئته على القبح ، بجسد نحيف وعظام ناتئة وووجه فر الجمال منه وولى الدبر ، كانت سلافة تحب نفسها كما هي حتى وإن كانت سمعتها تلوكها الألسن وتخوض الأفواه في عرضها ، بينما كان نوح يتسم بفضائل كثيرة قلما تجتمع لغيره مما جعل الزيجة محل دهشة الجميع ، حيث تجمع ما بين المتناقضات ، وقد كان نوح هو الذي يطاردها ، حتى لانت في النهاية ! ..

قال الأول وهو يتكأ بظهره على جذع الشجرة " جميلة هي كجمال فضائله ، ودميم هو كدمامة أخلاقها " .

وقال الثاني ومن عينيه تبرز نظرة حالمة " جميلة هي أخلاقها كجمال ملامحه ! "

بينما قال الثالث وأمارات وجهه تطفح بالصرامة  " قبيحة هي وجميل هو " .

فيما قال الرابع وعيناه تبرق بوميض الشهوة " جميلة هي وقبيح هو "

وقال الخامس حيث ينفث دخان سيجارته والهم يجثم على صدره " قبيحان هما الاثنان ، فليذهبا للجحيم ! "

........

على الرغم من وحدة الموقف والمكان والزمان إلا أن نظرة كل منهما للأمر اختلفت عمن سواها ، فالأول اتخذ من رأي ديفيد هيوم نبراساً له حيث يقول " الجمال ليس خاصية في ذات الأشياء ، بل في العقل الذي يتأملها " ، فجاء تقييمه للجمال عقلي بحت فأثنى على جمال المظهر وانتقد قبح الجوهر عند الأنثى ، وانتقد قبح المظهر عند الفتى وامتدح الجوهر ، بينما الثاني فكان لديه نزعة مثالية ونظرة حالمة مائلة للنظر إلى نصف الكوب المملوء وغض الطرف عن النصف الفارغ بالإضافة للقلب البكر الذي يحويه بين صدره الذي لا يبصر سوى الجمال فحسب بل يرى أحيانا القبح جمال وذلك للجمال الذي يملأ داخله ! ، وهذه النظرة تتماشى مع اتجاه إيليا أبو ماضي " كن جميلاً ترى الوجود جميلاً " ، ومصطفى السباعي " إذا نظرت بعين التفاؤل إلى الوجود ، لرأيت الجمال شائعاً في كل ذراته ، وكانت نظرة الثالث منبثقة من مثالية خلقية بذرت في داخله من خلال عادات وأعراف يتفق غالبية المجتمع على حسنها وسمو قيمتها ، وتلك النظرة تمرق من زيف المظهر لرونق الجوهر ، ويواكب هذه النظرة ما عبر عنه أمين الريحاني " قد يفتقر الجمال إلى فضيلة ، أما الجمال فلا يفتقر إلى فضيلة أبداً " .

ويسلك الرابع درباً مختلفاً عن الآخرين حيث أبصر جمالها الذي تشهد عليه العين الناظرة لكنه ذهب لأبعد من ذلك ، حيث نظر إلى الأغوار السحيقة من الشخصية لينقب عن الدرة التي تجعلها متلألأة ، ألا وهي حبها لنفسها ، فمن لا يحب نفسه لا يستطيع حب الآخرين ، وفي نفس الإطار فإن ثقتها بنفسها منبثقة من داخلها وبالتالي لن تهتز من أي عامل خارجي كرأي الناس فيها أو غير ذلك من أمور ، لذلك فهي جميلة بينما الآخر فظل يبحث عن الجمال خارجه وذلك لأنه قبيح ، لذلك فنظرته تتماشى مع رالف والدو إيمرسون " نجوب العالم بحثاً عن الجمال ، ولا ندري أننا يجب أن نحمله بداخلنا ، وإلا لن نجده أبداً " ..

وذهب الخامس لطريق آخر بوصفهما بالقبح ، وذلك يرجع للهم الجاثم فوق صدره مما جعله ينظر للشيء نظرة تشاؤمية نابعة من داخله وفي إطار حالته النفسية ، فتذوق الجمال في كثير من الأحيان يحتاج حالة نفسية معينة ورهافة حس ووجدان مهيأ للنظر للشيء والنفاذ لأعماقه ، وهو ما يذهب إليه كاتب المقال إلى حد ما " إننا ننظر للأشياء من خلال حالتنا النفسية واستعدادنا الوجداني وهما ما يؤثران على حكمنا نحو الشيء سواء بالإيجاب أو السلب " .

وفي النهاية انتهى العرس ، وذهب كل منهم لحال سبيله دون أن يستقروا على رأي واحد ! ..

التعليقات