عندما يكتمل المشهد

عندما يكتمل المشهد

 

اللعب مع ابنة الجيران على درجات السلم المشترك بيننا، كانت أمتع لحظات حياتي وأكثرها بهجة، ربما للآن لم أشعر بتلك البهجة مع أي شيء آخر بذات القدر، ولأنني كنت طفلة مشاكسة جدًا، فلم يكن يسعدني أبدًا أن يقتص أحد من متعتي تلك لأي سبب كان، وعلى الدوام كانت "طنط هناء" تنادي على ابنتها لتضع حدًا لهذا اللعب الذي طال، وتسدل الحزن على قلبي الصغير الذي لا يصل لحد الشبع أبدًا إذا ما كنت برفقة إيمان صديقة طفولتي وصباي.

ولأن الصغار لا يفهمون لغة المنع، ولا يحترمون القوانين التي تحجب عنهم سعادتهم، فكنت لا أملّ تكرار محاولاتي للفوز بجارتي في أي وقت من صباح أو مساء، دون أن أحاول ولو لمرة واحدة أن أسأل طنط هناء ما الذي تريده منا بندائها المستمر على إيمان وفض مسرح اللعب الذي ننصبه يوميًا على درجات السلم أو من شباك المسقط المشترك بيننا والذي كنا نكمل فيه سهرتنا على غفوة من الجميع حتى الفجربعد انتهاء اللعب عل الدرج بأوامر من "طنط هناء".

ولأن عقلي الصغيرحينها لم يجد ترجمة فورية ومقنعة لهذا المنع، ولا يعرف بديلًا للخير سوى الشر، والخير هنا بالطبع هو اللعب من وجهة نظري الطفولية. فلقد افترضت حينها أن تلك السيدة التي تتسبب في حرماني من صديقتي وحرمانها من مواصلة اللعب معي حتى نرضى.. هي بالضرورة سيدة شريرة، وأنها حتمًا ليست والدة صديقتي الحقيقية!! وإلا لماذا تحرمها من متع الطفولة وتطالبها بالانتهاء من أعباء البيت من تنظيف وطهي على حساب سعادتها، كل ما كان يسيطر علي حينها للحكم على تلك السيدة الطيبة كان مستمدًا من قصة السندريلا المضطهدة، ولا بديل لاقناعي بغير ذلك غير السماح المطلق لنا بالوقت كله.

 

فلما اكتمل المشهد فهمت.

"طنط هناء" لم تكن شريرة بل كانت أرملة قوية عانت كثيرًا لتربي أطفالها، حملت هم رعايتهم بلا سند، فكانت حريصة أن تقوي عودهم وتشدد من أزرهم بالاعتماد على أنفسهم مبكرًا قبل أن تتركهم لأمواج الحياة، لهذا كانت تحاول أن تقتص من وقت اللعب الخاص بنا في تدريب ابنتها على شئون البيت ، في الوقت الذي لم تحرمها نهائيًا من اللعب معي، لكن الطفل الذي بداخلي كان يطمع في كل شيء  وإلا استدعي قصة السندريلا الحزينة من ذاكرته البريئة لتصدر الأحكام الجزافية.

                                                              ******************************************

أبي كان ينزعج كثيرًا حين أصاب بالسعال، وكان يجبرني إذا ما أخذت دشًا دافئًا في الشتاء أن ألزم السرير قليلًا حتى لا أصاب بالبرد، كنت اتساءل بعقلي الصغير لماذا ينزعج ويوبخني إذا ما سعلت؟ أليس من الأولى أن يطمئن علي ويربت على كتفي ويسألني ماذا بي؟

عندما كبر ابنائي لاحظت أنني كلما سعلوا أو عطسوا أشعر بالضجر واصرخ فيهم : كفى ... وكأن هناك زر ما يمكنهم الضغط عليه فيتوقفوا فورًا عن ذلك.

قارنت بين ما كان يفعله أبي وما أفعله، و فهمت ما الذي كان يزعحه من سعالي.

  أبي كان ينزعج خوفًا علي وحبًا.. مثلما أصرخ أنا في صغاري كي يتوقفوا أيضًا خوفًا عليهم وحبًا.. الأمر ملخصه أننا لا نريد أن نقر في داخلنا بأن صغارنا سيتعرضون لوعكة صحية باتت بوادرها واضحة، ربما يكون الانزعاج والصراخ ليسا هما الحل الأمثل لذلك ولم يعبرا بشكل مرضي لي ولصغاري، لكنها الحقيقة على أي حال ومحاولة للفرار من الاقرار بأن أذى ما سيصيب أغلى ما نملك في الحياة.

 

                                                          ********************************************

 

إن بعض الظن إثم تلك الآية القرآنية الجميلة تدعونا إلى أن نحسن من الظن أكثره وليس كله، لا تدعونا إلى أن نكون مغفلين، كلما صفعنا أحدهم بررنا له صفعته-  وكأن حَكّة ما أصابت راحة يده فهوى بها علينا ليتخلص منها-  لكنها تخبرنا أن سوء الظن قد يخطيء فينال أحد الأبرياء، وقد يُصيب فيكون في موضعه السليم.

عندما كنت في ابتدائي ، لا أذكر السنة بالتحديد، كانت جارتنا في إحدى الدول العربية تدعى "أم طارق" تدعوني بالإسم في بعض الأحيان للعب مع صغارها، وكنت أطير فرحًا بدعوتها ظنًا مني أنني طفلة مرغوبة للدرجة التي تدعوني بنفسها لمشاركتهم قسطًا من الوقت، لا أذكر أني رفضت أبدًا تلك الفرصة ولما لا ولديهم غرفة مخصصة للألعاب، وأربعة صغار يقاربونني في العمر أقضي معهم وقتًا ممتعًا، لم ألحظ ببراءتي حينها أنها كانت تستدعيني وحدي بعد دخولي غرفة اللعب بقليل للذهاب معها إلى المطبخ وتحريك قطع المطبخ الثقيلة لتنظف خلفها، وتوكل إلي بعض المهام الأخرى لتنتهي من أعمالها المنزلية، أحيانًا أخرى كانت تجعلني أقوم بتحميمهم وتصفيف شعورهم أيضًا، كنت أشعر بسعادة وقتها لما أقوم به كأنه نوع من استكمال فقرات لعبنا معًا، وعندما أعود للبيت أخبر أمي كم أن جارتنا نظيفة وتعتني بكل شيء دون أن أخبرها بأنني أعاونها في ذلك.

 وبعد أن صرت أمًا تذكرت تلك الأوقات وتعجبت؟ وفهمت..

 جارتنا العزيزة لم تكن تدعوني للعب مع صغارها لأنني طفلة تروق لها أو لصغارها كما توهمت صغيرة، أنا كنت بالنسبة لها مجرد مساعد فقط فضلت أن تستغل برائته وحده، بينما تترك صغارها يلعبون دون طلب العون منهم.

تلك الأشياء التي نفهمها متأخرًا تقلص بالفعل من برائتنا وتجعلنا ننتظر في كل مرة يدعونا أحدهم لمصاحبته عن هدف خفي قد يكون مستترًا عنا، ما أن نكتشفه حتى يشوه تلك اللحظات الحلوة التي رأيناها بعين مشاعرنا البريئة  قبل أن نفهم المشهد كاملًا.

نحن لا نقرأ المشهد كاملًا إلا بعد انتهائه، وقد لا نفهمه إلا بعد مرور سنوات طويلة عليه، فإذا عشنا تلك المواقف بأنفسنا  ومررنا بتفاصيلها كاملة، حينها فقط نبدأ في الفهم وتقدير ما لم نتمكن من تقديره من قبل، بل ونتقبل الأعذار التي لم تكن مقنعة لنا قديمًا. تنجلي الكثير من الغشاوة التي كانت تحول بيننا وبين الحكم العادل على الآخرين.

 نتمنى لو عاد بنا الزمان للوراء لنعرب عن أسفنا واعتذاراتنا لكل من أسأنا فهمهم أو تعجلنا الحكم عليهم لسذاجة منا ربما أو لقلة نضج.. ونعرب عن غضبنا لكل من استغل حسن ظننا فيه وبدد ثقتنا في بساطة الأشياء وبراءة المغزى.. لكنها الأيام تجعلنا ندور في فلكها كي تزيدنا صلابة وفهم وخبرة ودراية...

نحن ممتنون لكل شيء زادنا وعيًا وادراكًا في هذه الحياة بحلاوته وقبحه، ومدينون لكثير من رفقاء الرحلة باعتذارات جمة على قلة صبرنا وخبرتنا ووعينا.
التعليقات