شجن

شجن

 

غرفة واسعة مليئة بلوحات لنساء أحداهن تنتظر وإحداهن تكتب وإحداهن تبكى وإحداهن صامتة تدير ظهرها للدنيا بأكملها وإحداهن تحمل طفلها وتنظر بكل قوة فى عين العالم وكأن ما عانته لم ينقص منها مقدار حبة من قوتها..

وحدها تلك اللوحة المعلقة فى زاوية من زوايا الغرفة لأنثى ذات شعر بنى و تلتف برداء أحمر وحدها من جذبتنى لأقف إن جاز لى التعبير مسلوبة الإرادة أمامها 

أقف ناظرة إلى عينيها يخيل إلى وأنا ممعنة النظر فيها لمدة تطول عن الخمسة عشر دقيقة أنها تحدثنى 

لا أعلم لماذا جذبنى بريق عينيها اللامع وطريقة تحكمها فى عبراتها ونظرتها بكل صمود ووهن , قد كانت تجمع بين كل مظاهر القوة والضعف فى آن واحد معا

قد كانت عيناها تقول كل شئ وعكسه 

تعبر وتمتنع , تبكى وتصمد , تحزن وتبتسم 

لا أعلم كيف،أنجذبت لها إنجذاب وحنين الفرع إلى أصله 

من علمنى قراءة اللوحات قال لى بأن هناك لغة يرسم بها الفنان لوحته وتلك اللغة تكون هى طريقة التواصل بين من يرى اللوحة لأول مرة وبين اللوحة ذاتها 

وأزعم أنى مذ أول وهلة فهمت تلك اللغة بالفطرة فما هى سوى خليط بين القليل والكثير من كل شئ فى الحياة  

أخذتنى تلك اللوحة الى ما كنت اخشى التفكير فيه منذ فترة وهو التغير 

كم من خيبات يحتاج  المرء لأن يمر بها كى يتغير وكم من أشياء نتمنى الوصول إليها ونعانى ونتكبد مشقة الوصول ومن ثمة نجد فى النهاية أنه ليست تلك وجهتنا التى يجب أن نسلكها 

كم نحب ونشعر ونتمنى وندعو ونصبر ونتسامح ونغمض عين العقل ونرى بعين القلب فقط فى مرأة الحب المضللة ونتغاضى وفى أقل من دقيقة نجد ما بقلبنا تقلص فى زاوية ما مستكينا وواضع أمره فى يد عقله ورضى وأذعن لصوته

نفيق بعد ذلك ونعلم كل العلم كيف كنا من قبل وكيف نحن الأن ولكن السبب العظيم الذى جعلنا نكون ما نحن عليه الأن لا نتذكره

قد محى من ذاكرتنا ذلك السبب بطريقة غامضة لا نعلمها ولعل ذلك يثبت أكثر أن كل شئ قابل لفكرة التغير والتقلص والتشوش 

ف أهم الامور أمس تصبح مهملة غدا

وأقرب الأشخاص قديما  عابرون اليوم لا نشم عطرهم بين الجموع وإن وجدناه لا نتعثر به 

أكثر الأماكن جمالا سوف تصبح اقبحها قريبا و العكس جائز 

أكثر الأكلات المحببة غدا البعيد أو القريب تصبح معتادة

كل شئ فى هذه الحياة يسعى إلى تغيره لكى يصل إلى شاكلته المرجوة ونحن فقط من نتعلق به وهو ما زال فى طور من أطوار تغيره لذلك تحدث الصدمات والخيبات 

 

نظرت إلى إسم تلك اللوحة فوجدته "شجن

ما هو الشجن ؟ 

الشجن له معان كثيرة على سبيل المثال الشجن هو الغصن المشتبك وهو الهم والحزن وهو الحاجة الشاغلة وهو ملازم للحزن والهم وهو أشياء كثيرة 

وحده تعريف أوحد من مسنى من الداخل ورأيته ملاءم لتلك اللوحة وهو "متشعب متفرع يستدعى بعضه بعضا" 

حزنها وجمالها وقوتها وضعفها وكل ما بها متشعب ومتفرع ويستدعى بعضه بعضا 

ولعل بى البعض مما كان بها لذلك استدعتنى انا أيضا

كل ذلك تخمينات وأحاسيس ولكن ما أتيقن منه هو دقة وروعة تلك اللوحة وأن الفن هو غذاء الروح بالفعل وأن المشاعر المتضطربة والألم لا ينتج منها سوى عظمة ورقى وما يخرج من المحنة منحة 

وتلك الأمثلة التى نراها كل يوم فى المعارض منح تقدم للبشرية كى نرتقى بجوراحنا ونشفى جروحنا ونلتمس الجمال والراحة فى أى جانب من جوانب الحياة 

لعل تلك اللوحة ستبقى هى الركن الجميل الذى أوى إليه كلما اشتدت بي مشاعرى المتضطربة وأصبحت متشعبة ومتفرعة يستدعى بعضها بعضا .

التعليقات