رواية الغريب وجذور العدمية

رواية الغريب وجذور العدمية

 

لم يحظ عملٌ أدبيٌّ من تأليف ألبير كامو، بالمكانة التي اكتسبتها رواية الغريب، في الأدب العالمي، برغم ما قد يجده بعض القرَّاء من غرابةٍ في بنيتها الداخلية، وارتباكٍ يحرص على غرسه في وجدان القارئ تركيبُ العبارات غير المألوف داخل العمل.

لا خلاف على قيمة هذه الرواية، وأعتقد أنَّ الاهتمام بها لا بد وأن يتزايد في مصر خصوصًا، لأنها تناقش فكرة، أصبح لها مؤخَّرًا وجودٌ ملموسٌ في الواقع المصري، حتَّى وإن كان توصيفنا للحالة (التي تغذوها هذه الفكرة)، غير مطروح في أيِّ تحليل اجتماعي معاصر. هذه الفكرة هي العدمية، التي يُعتبر ميرسو (بطل الرواية) أوضح مثال لها في الأدب العالمي.

تبتدئ الرواية بتلقي ميرسو برقيةً تخبره بأن أمه توفيت، فيتعامل مع هذا الخبر الجليل بلامبالاة، لا تتناسب مع هول الموقف، ويظهر هذا البرود في مجموعة من التصرفات، منها أول عبارة من الرواية. عبارة خالية تمامًا من أية عاطفة، ومصوغة في النص الفرنسي بأسلوب سوف تستشعر خواءه من الحزن حين تصغي إلى أصوات الحروف المكونة لكلمات تلك العبارة.

Aujourd'hui, maman est morte. Ou peut-être hier, je ne sais pas.

وبعد أن يحضر ميرسو جنازة أمه في البلدة التي كانت أمه تقيم في دار مسنين بها، يعود إلى الجزائر العاصمة، ويواصل حياته بشكل طبيعي جدًّا، كأن شيئًا لم يكن، حتى يتورَّط مع صديقه ريمون مرتين. إحداهما حين كتب خطابًا يخدع به عشيقته، والأخرى حين قتل شخصًا جزائريًّا كان ضمن مجموعةٍ تعدَّت عليه هو وريمون، بسبب أحد أخطاء الأخير. وفي النهاية، يُحاكَم، ويصدر قرار الإعدام بشأنه.

الحكاية في ظاهرها بسيطة، وكان بوسع ألبير كامو أنْ يصوغها في قالب قصصي طويل، أو أن يهتم أكثر ببناء الشخصيات، ونسج خيوط أكثر تعقيدًا بين بعضها وبعض، واللجوء لحبكة أشد جاذبيةً من هذه، فيزيد نتيجةً لذلك حجم الرواية إلى ثلاثة أمثالها أو أكثر. لكن ألبير كامو اختار هذه الطريقة في الصياغة لأنه رأى أنها أكثر ملاءمةً للموضوع المطروح. وسواءً أكان اختار قالبًا قصصيًّا طويلًا (وهذا ما كنت أفضله)، أو رواية متشعبة الأحداث والشخصيات، إلا أنه كان مطلوبًا منه على أية حال (وهذا ما نفَّذه فعلا) أن يفرق أثناء فعل الإبداع بين فن الحكي في قالب روائي، وتأليف كتاب في الفلسفة. قمة النجاح في كتابة عمل يتناول فكرة معينة، ألا يتم التصريح بهذه الفكرة في ثنايا العمل بطريقةٍ مباشرةٍ وفِجَّة، وأن يسعى المؤلف إلى تبيين الفكرة من خلال موقف، أو طريقة حوار معينة، أو وصف مكانٍ من منظور شخصٍ يعتنق هذه الفكرة. وألبير كامو استطاع أن ينجح في هذا الأمر، حتى أصبح في هذا العصر أناس، يعتبرون عبارة (اليومَ ماتت أمي) عنوانًا للعدمية!

لكن، ما هي العدمية التي جعل ألبير كامو (ميرسو) رسولًا لها؟!

ثمة فكرة قديمة ترجع لبعض الفلاسفة القدامى، ولا سيَّما المنتمون للمدرسة القورينائية (هيجيسياس وغيره)، تقول بأن العالم لا يشتمل على أي معنًى حقيقي. وهذه الفكرة تفرَّعت منها في العصر الحديث ثلاثة اتجاهات فلسفية؛ الوجودية والعدمية والعبثية. تقول الوجودية: إذا كان العالم فعلًا خِلوًا من المعنى، فغاية وجودنا أن نخلق للحياة معنًى بأنفسنا. وتقول العدمية: إذا كان العالم فعلًا لا ينطوي على معنى، فنحن غير مطالبين بأن نخالف هذه الطبيعة الأصلية الموجودة فيه، أو أن نبحث عن معناه! وتقول العبثية: إن البحث عن معنًى للوجود، في صراعٍ دائمٍ مع حقيقة انعدام القدرة على إيجاد أي معنًى. وكل أفعال البشر في هذا النطاق، من محاولةٍ وفشلٍ أبديٍّ، تعتبر عبثًا محضًا، مثل العقاب الذي وقع على سيزيف في الأسطورة اليونانية المشهورة، التي كان يدحرج - وفق مضمونها - صخرةً بمشقة، صعودًا إلى قمة مرتفع، حتى إذا بلغها، هوت الصخرة إلى السَّفح، فيضطر إلى إعادة الكرَّة للأبد.

للعدمية أكثر من تجلٍّ. هناك العدمية السياسية والأخلاقية والمعرِفيَّة والتجزيئية، والعدمية الوجودية.

ورواية الغريب تصوِّر بالتفصيل حياة ميرسو في إطار العدمية الوجودية والعدمية الأخلاقية. ويظهر هذا من خلال مجموعة من المواقف التي تعرِض لميرسو. أذكر منها:

1- العبارة الافتتاحية، التي يثور فيها على ردِّ الفعل الأخلاقي السائد تجاه وفاة الأم.

2- تعامله مع الموت على أنه شيء روتيني مثل حضور حفلٍ، حين طلب من إيمانويل رابطة عنق سوداء، وشارة حداد باستخفاف، لكي يحضر العزاء.

3- اقتصار إقامته على غرفة واحدة من شقته الواسعة؛ فكأن كامو كان يريد أن يرمز بالشقة إلى العالم، وبالغرفة إلى ذات الإنسان العدمي، في إشارةٍ إلى الفردية التي يفرضها التوجه العدمي على مَن يؤمن به.

4- تساوي كل الأشياء عند ميرسو. الزواج وعدم الزواج. حب والدته وعدم اهتمامه بها. وفاة والدته وضياع كلب جاره.

والرواية حافلة بغير هؤلاء من المواقف الكاشفة للشخصية العدمية. وهي - إضافةً إلى هذا - تناقش مجموعة من الأفكار التي تتعلَّق بهذه القضية الشائكة، ويمكننا أن نسرد بعضها في نقاط، لأهميتها، وضرورة إعمال العقل فيها.

1- إذا انعدم الضمير الإنساني، فلا فرق بين الموت والقتل؛ لأن العالم الخالي من أي معنى، تتساوى فيه كل الاختيارات والمصائر، لأن النهاية هي العدم! ويصبح - نتيجةً لذلك - إقدامُ شخصٍ فقد ضميرَه على القتل، شبيهًا بإقدام بكتيريا أو فيروس أو زلزال لا يملِك ضميرًا على القتل!

2- إذًا يمكننا أن نقول إن القتل - استنادًا إلى هذا التصور العدمي - ليس له مبرر؛ لأنَّ أيَّ مبرر أخلاقي للقتل، ستتضح تفاهته، لأن الأخلاق نسبية، وليس ثمة أخلاق مطلقة وفقًا للعدمية. وألبير كامو يقول: نحن لا ننشد عالمًا لا يُقتل فيه أحد، بل عالمًا لا يُبرَّر فيه القتل. وفي الرواية، حين سُئل ميرسو عن سبب قتله الرجل الجزائري، قال ببساطة إن هذا حدث بسبب الشمس! سبب مادي مباشر لا أثر فيه لأية قيمة أخلاقية، وكأنه أراد أن يشير إلى أنَّ هذه الإجابة غير المستساغة أكثر جديَّةً من أي مبرر أخلاقي آخر، مثل ما يجيب به أحد المتطرفين حين يُسأل عن سبب قتله لمن يخالف عقيدته، فيقول: لأنه كافر. والله يبغضه. طيِّب! الشمس موجودة، وحرارتها ملموسة، لكن الله غير موجود، وفقًا للتصور العدمي!

3- برغم أن ميرسو يتعامل مع الموت على أنه أمر عادي من بداية الرواية، إلا أنه يُصدم حين يكتشف أنه (عادي جدًّا) إلى هذا الحدِّ السخيف! فقد كان يحسب أن المقصلة يُصعَد إليها بسلم، يرمز إلى الأهمية العدمية للموت، كبدايةٍ للعدم، لكنه تذكر أن المقصلة تكون موضوعة على الأرض، وأن المحكوم عليه بالإعدام يقترب منها بسهولة كما لو كانت صديقًا مقرَّبًا له، لَقِيَه في الطريق! وهذه مفارقة مهمة.

4- محاكمة القاتل العدمي، هي في حقيقتِها محاكمة من قيم المجتمع لفكرة العدمية، وقد وجدنا في الرواية وكيل النيابة يستخدم كل سلوكات ميرسو العدمية كأدلة إدانة، يبرهن بها على وحشيته، برغم أن العدمية ترى أن القتل بدافعٍ أخلاقيٍّ أبشع من الجريمة العدمية المدفوعة بمبررات مادية بحتة.

5- هنالك إشكال تطرحه الرواية، فحواه أنه إذا كان الذي يحاكم المذنبين هو نفسه مذنبًا (وكلمة مذنب لا تعني بالضرورة أنه مرتشٍ أو لص أو قاتل، بل قد يكون مذنبًا لأنه يضرب زوجته، أو يسب سائقه، أو يتكبر على الناس، أو حتى يدخن، أو يتناول الطعام بشراهة!). إذا حدث هذا، أفلا تفقد عملية التقاضي أي معنًى؟! مذنب يحكم على مذنب! إذًا الذي ينفذ الحكم هو الأقوى، لا الأفضل أخلاقًا، وبهذا تُفرَّغ المنظومة القِيَمية للمجتمع من معناها، وتظهر العبثية في أوضح صورها!

6-  ازدهرت الوجودية والعدمية بعد الحرب العالمية الثانية التي قتل فيها ملايين من البشر بغير ذنب، وازدهرت العدمية بعد الثورة المصرية التي قُتل فيها آلاف بدون ذنب، لكنها حتى الآن لا تزال في مرحلة التبلور، بدايةً من الإلحاد الذي ظهر كرد فعل على التطرف الديني، ومرورًا باليأس العدمي، الذي يظهر جليًّا في لامبالاة الشباب بخصوص الأمور المصيرية التي ستؤثر في مستقبلهم بلا رجعة! هذا اليأس قد يتحوَّل إلى طاقة إيجابية يسميها كامو بالتمرد، الذي يعده الوسيلة المُثلى للتعامل مع عبثية الوجود.

7- وأخيرًا، يتضح لنا من قراءة الرواية، أن ميرسو يظل في عدميته، خاضعًا لمبدأ آلي تمامًا هو الفعل ورد الفعل؛ المؤثر والتأثير، حتى يُعدم، ويصح فيه الوصف الذي سُمِّيَت به الرواية؛ (الغريب). لأنه كان غريبًا عن قيم المجتمع، وغريبًا عن الناس، وغريبًا حتى عن أفكاره وقناعاته، التي يشرع في التخلي عن بعضها في نهاية الرواية، بتراجعه عن شغفه بالوحدة، فيقول:

"أتمنى أن ينتهي كل شيء. وأتمنى أن أكون هناك أقل وحدةً من هنا، ولم يبق سوى أن أتمنى أن يكون هناك الكثير من المتفرجين يوم الإعدام، وأن يستقبلوني بصرخات الحقد والغضب).

التعليقات