لماذا لا ننسى

لماذا لا ننسى

 

أحيانًا نشعر بالامتلاء من الذكريات كأنها لم تمضي، كأنها فارقتنا للتو، برغم مرور سنوات عدة عليها، في الوقت الذي يستعصي علينا تذكر أمورًا أخرى أكثر حداثة منها. فهناك دائمًا ما يضيء لنا بؤرة الوجع ويجدد الذكرى كلما حاولنا أن نطوي صفحتها، نحن عادة لا ننسى ما ترك ندوبه الغائرة في الروح من أحداث، لا ننسى الألم الذي بعثرنا لدقائق ولا الأشخاص الذين اتقنوا دورهم في إيلامنا ولو لثوانٍ.. وإن غابوا للأبد!!

لماذا لا ننسى أوجاعنا القديمة طالما أنها انتهت؟ لماذا لا نغفر لأصحابها طالما أنهم توقفوا عن العبث معنا؟

لماذا تظل بعض الأوجاع حاضرة في الوقت الذي تغفو أوجاع أخرى إلى الأبد في مضجعها دون أن تؤرق سكينتنا؟

لماذا لا نغفر لأشخاص بعينهم في الوقت الذي غفرنا فيه لآخرين أكثر من هذا؟

لعلهم كانوا الأغلى... لذا استعصي علينا تمرير الإساءة الأكثر إيلامًا؟

 لعلنا وثقنا فيهم بقدر مبالغ فيه فلما خذلونا اهتزت ثقتنا في كفاءة اختياراتنا؟

 لعلنا لم نجد لهم – في ضمائرنا- ما يبرر خطأهم في حقنا؟

 لعلنا لا نريد النسيان كي لا تتكرر الصفعة؟

أو لعلنا لا نريد فحسب!! 

لماذا نذكر أشياء وننسى أخرى؟ سؤال طرحته على نفسي حين بدأت أشكو من نسيان بعض الأحداث برغم حداثتها إلى الدرجة التي خشيت فيها أن التحق بنادي العالقين بالزهايمر؟ لكني نفضت هذا الافتراض، واطمئننت على سلامتي حين بدت أحداث أخرى مضيئة في الذاكرة برغم مرور عشرات السنوات عليها وغياب وجوه أبطالها بشكل نهائي.

وما توصلت إليه هو أننا ننسى عامدين ما لا يمثل لنا أهمية في المرحلة التي نمر بها من أعمارنا ونتذكر فقط كل ما يؤثر علينا من أحداث إما بالسلب أو بالايجاب تبعًا لحالتنا المزاجية وأولوياتنا المستجدة، ثم أنه لا علاقة نهائيًا للنسيان بقدم الحدث أو حداثته، ولكن بمدى تأثيره علينا وامتداد تأثيره المؤلم أو المبهج بداخلنا.

نحن لا ننسى هؤلاء الذين بُحنا لهم بمواطن ضعفنا فتباروا في إضعافها والعزف عليها في سيموفنية حزينة معتمدين على عدم قدرتنا حينها على المواجهة والقصاص، ولا هؤلاء الذين لجأنا إليهم مقرين بجهلنا فيما لديهم من علم فبخلوا علينا به وتفننوا في خداعنا مطمئنين لبرائتنا التي ولت بعد أن فهمنا الدرس جيدًا، كما لا ننسى من إئتمناهم على أسرارنا فباحوا بها لكل غريب دون حرج، ولا من تركونا عن عمد نعلق الأوهام في سقف علاقتنا بهم ثم أخبرونا أنه لا متسع لديهم لهذا العبث.

لا ننسى أول من مد إلينا يد العون حين انفض عنا الجميع، ولا من احتوانا حين كنا في أوهن حالات الحاجة والفقد، ولا من لمح فينا الجمال والخير فعزف عليهم حتى أزهروا للعيان، ولا من راهن على ذكائنا ومدنا بالثقة ليدعم البرعم الذي لولاه لانكسر وذبل.

نحن غالبًا لا ننسى المذاق الأول من كل تجاربنا خاصة المؤلم منها، لأن الدهشة التي نكون عليها حين يتجرأ فيها الألم والوجع والحرج والتعثر في الحضور دفعة واحدة لينهشوا فينا بكل جرأة، يحفر أخاديدًا لا يستهان بها في أرواحنا، لتبقى تلك الظلال محتفظة برونقها ماحيينا في حواري الذاكرة، نقصها على كل عابر جديد لم يعاصرها معنا زيادة في الإسراف منا والوفاء لها، ونسردها كحكايا قبل النوم لأحفادنا حين نخشى من الشيخوخة أن تشوه ذاكرتنا بخصوصها أو تمس تفاصيلها الحية، لهذا تظل آلامنا الأولى عالقة في أذهاننا لا ينطفيء سراجها أبدًا.

نحن لا ننسى بقدر الوجع الذي أصابنا، بقدر الهشاشة التي كنا عليها حينها، بقدر الصدمة التي خذلتنا فيهم، بقدر الفراغ الذي أحدثه الحدث وقتها، بقدر حسن النية الذي تراجع بعد أن أفقنا من الدهشة.. بقدر كل هذا وأكثر نتذكر، حتى لو اكتشفنا فيما بعد أن الأمر لم يكُ يستحق كل هذا الوجع، لعلنا لم نكن حين آلمنا بتلك القوة التي اكتشفنا فيها أنه لم يكن يستحق.

من المؤسف حقًا أن نعتني بخيباتنا كمن يخشى عليها من الضياع والموت، نغذيها بإعادة الصياغة والثرثرة حولها كمن يحرص عليها من الفقد.. أوفياء جدًا للخذلان أكثر من وفائنا لانتصاراتنا وانجازاتنا التي لا نلمحها من فرط ما نهتم بخسائرنا ونرعاها.

 ليتنا نفهم أن الخيبات لا تموت إذا ما ظللنا نحوم حولها، ندونها للذكرى، نذكرها كل عام ألف مرة، تكبر بداخلنا وتتسع حتى تطغى على كل شيء فيحق لها حينذاك أن تعلن احتلالها للمركز الأول في اهتماماتنا، وأول ما نحرص على طرحه على موائد الحديث بين الرفاق.

لا أدري هل هو نوع من الاعتراض على الظلم الواقع علينا في بداياتنا؟ أم أنه الركن الذي يشعرنا كلما تقوقعنا فيه كم أن العالم المحيط قاس وشاذ فنحترف الانزواء ونتجنب المواجهة؟ أم أنها محاولة لاستجداء العطف من القادمين في ممراتنا  كي لا يكرروا عثرات من سبقوهم بحقنا، أم أنه استعذاب الألم؟

قد لانكون ضحايا بالشكل الذي يجعلنا نتألم كل هذا الألم، وقد يكون الفعل الذي نشكو منه و السخرية التي تعرضنا لها، أو العقاب الذي نزل بحقنا عدل، لكن نحن لسنا بصدد تقويم الصواب من الخطأ هنا، نحن نتسائل لماذا لا ننسى بعض أوجاعنا رغم مرور سنوات عدة عليها، ورغم توقف أصحابها عن تكرارها، ورغم أننا توصلنا أنهم كان لديهم بعض الحق حين أوجوعونا وخدشوا حسن ظننا فيهم حينها، لكن كل ما سبق لم يعفيهم من تلك الصدة التي نشعرها تجاههم كلما تذكرنا وخز الألم الموجع في تلك اللحظة تحديدًا كأنه واقع الآن مجددًا.

 وأيًا كان الحال الذي صرنا عليه، والصواب الذي اكتشفناه فيما بعد، فعلينا أن نتأكد أن الانتصار على ما أضعفنا قديمًا ليس بتذكره ولا استدرار عطف الآخرين بشأنه، لكن بعدم السماح بتكراره مرة أخرى، والتأكد من أن النجاح العظيم كان وليد ابتلاء أعظم، والعبور المستحيل للضفة الأخرى كان سببه هزيمة ساحقة على الضفة الأولى.

يا رفيقي الحزين الموجوع على الدوام عليك بالنهوض، لن يتعاطف أحد معك إلا لثوانٍ معدودة، بعدها سينفض غبار شكواك من أذنه ليبحث عن انجازاته وانتصاراته بعيدًا عنك مخافة أن تحبطه أو تحسده، اترك خيباتك تموت حيث ولدت، انسها أو لاتنسها لا يهم، لكن لا تجعلها قضيتك الأولى، المهم أن لا تنسى الدرس الذي أنجبته لك الأجداث، اتركها لتُنسى أو لتموت، اتركها لعل الترك يقصيها.

 

 [email protected]

التعليقات