سباق الموز

سباق الموز

 

 

كنت في زيارة إلى حديقة الحيوان بصحبة ابنتي الصغيرة التي التَقَطَت موزة من الحارس اقتَرَبَت بها من قفص النسانيس بحذر، برز نسناس  مهذب تبدو عليه أمارات التربية الجيدة  ومد يده، مدت ابنتي يدها بدورها فظلت الموزة معلقة بينهما لا يمسكها سوى الحياء الفطري بين الفصائل حتى اندس نسناس آخر فجأة بدون إنذار بين ساقي صديقه والقفص خطف الموزة وجرى، تسمر ثلاثتنا لبضع دقائق نتبادل النظرات حتى شعرت أن الموقف يستدعي التفوه بشيء ما عميق فقلت بصوت عالي لأُسمِع النسناس:

"هذه هي الحياة يا طفلتي إن لم تحاولي اقتناص الشىء من بين أناملها سيسبقك أحدهم في اقتناصه".

والآن دعنا نلقي نظرة على حياتك أنت، متى كانت آخر مرة حاولت فيها اقتناص شىء ما ترغب فيه بشدة؟ سارة، زميلة السكشن الفاتنة، الكل يحاول الفوز بالقلب الصبي الذي انتصبت قامته لتوه ليخطو خطواته الأولى في عالم رومانسية الكبار، أنت لست كالآخرين نعلم هذا، أحببتها لذاتها وترهبنت في محراب عشق كينونتها إلى آخر هذا الهراء، خططت -داخل عقلك- أن تصارحها في اليوم الواحد مائة مرة، لكنك بدلًا من هذا بكيت كثيرًا وأنت يتم لفك جيدًا داخل علبة الفريندزون مع وضع شريطة على قفاك، ولولت كالنساء في حفل زواجها حتى دمعت أعين أصدقائكما تأثرًا ثم نلت خازوق المحتوى الذي لا يمكن عرضه وأصبحت صورها التي تزين جدران غرفتك ونيسك في ليالي البرجر والبيبسي والهاني شاكر.

وماذا عن مقابلة وظيفة أحلامك التي ذهبت لها مع مجموعة من الأصدقاء؟ تأنقت في انتعال حذاء التيمبرلاند مع  مع البذلة الرمادية وأبدعت في صب جرامات عطر دانهيل الأصلي ثم وجدت أصدقائك يجرون كراتين السيفيهات فتركت ورقتك مقلوبة على مكتب السكرتيرة ولذت بالفرار، تعجبت كثيرا عندما علمت أن محمود الأقلكم كفاءة قد فاز بالوظيفة.

رددنا مرارًا أن الطائر المبكر يفوز بالدودة فما ذنبنا إن لم يبرز لك جناحان عندما رأيت إعلان إيجار ذلك المحل في شارعك أنت بالذات؟ لقد كنت تخطط لتحويله لمشروع بقالة صغير لكنك أخذت عشرة أيام في تقليب الفكرة في مؤخرة عقلك وخمسة أخرى في تسجيل رقم المٌعلِن على الهاتف وحينما أجريت الاتصال - أخيرًا- كان قد تم إيجاره بالفعل؟ ألم تتفنن في إقناع نفسك بعدها أن الفكرة كانت غبية من الأساس؛ لأن هناك ثلاث محلات بقالة في الشارع الموازي وأربع في الشارع الموارب وخمسة وعشرين على الشارع الرئيسي ومع ذلك قد حضرت حفل الافتتاح وجلست في الشارع تحتسي الشربات وتستمع لآخر إبداعات المهرجانات بل أنك ابتعت بعض اللانشون لوالدتك قبل العودة للمنزل!

حتى قطعة الناجتس الأخيرة التي سال لها لعابك في عزومة خالتك تركت ابنها ثقيل الظل حمادة يفوز بها ويلوكها أمامك في تلذذ بينما ظل يطلق على مسامعك نكاته القاتلة الواحدة تلو الأخرى حتى ظننت أن أذنيك نما لهما محرك من الطنين وأن أعضاء حيوية مهمة قد انفجرت بداخلك، اكتفيت بكفتة السمك، أنت لا تحب كفتة السمك ولكنك بالطبع لم تجرؤ على التصريح.

على من يقع اللوم حقًا؟

هل حاولت أم أنك فقط اكتفيت برسم صورة للأمر في خيالك؟

هل ظنتت أن هرقل كان سيصير هرقل بدون إتمام مهامه الاثنى عشر؟ فتك بأسد نيميا وقتل الهيدرا متعددة الرؤوس وأجهزعلى طيور ستيمفالوس الكاسرة، أمسك بالخنزير الشرس في أريمنثوس وروّض عجلًا أكثر شراسة في كريت ، جلب الكلب المتوحش سربروس من بوابات الجحيم وحمل العالم على كتفيه بدلًا من أطلس حتى يتمكن الأخير من الذهاب لإحضار ثلاث تفاحات ذهبية له.

ستقول لي أن هانىء ابن طنت صفية حاول قبلك وفشل ويقوم ببيع الحلبسة على الشواطىء وأن وائل ابن طنت إحسان أخذها من قصيرها وانتحر وتنمو من جثته الآن شجرة ليمون لطيفة، وماذا عن من حاول ونجح؟ عادل إمام الذي بنى امبراطورية من الصفر بعد أن كان كومبارسًا يتسول الأدوار، آلان تورينج الذي نجح في فك شفرة الانيجما أعظم جهاز تشفير لدى ألمانيا النازية فمكّن الحلفاء من الفوز بالحرب العالمية الثانية، تسلا وويستينجهاوس اللذان وقفا في وجه العملاق إديسون في حرب التيارات الشهيرة من أجل تسويق نظام التيارالمتردد بدلًا من المستمر الذي لولاه ما كنت ستتمكن من تشغيل مصباح غرفتك ولا الجهاز الذي تقرأ عليه الكلمات الآن، عباس بن فرناس الذي لقي حتفه حتى تتمكن أنت ذات يوم من رفع قدمك في مصر لتنزلها في الصين، جوزيف كونيو مهندس المدفعية الفرنسي الذي اخترع عربة عسيرة القيادة للغاية تعمل بالبخار لتنقل الأسلحة الثقيلة تحولت بنواميس التطور الاصطناعي لسيارة أنيقة سريعة لا تستطيع التخلي عنها تذهب بها أينما تشاء.

إن حاولت وفشلت فأنت تعلمت طريقة واحدة للفشل لن تكررها، أما إن لم تحاول من الأساس فقد فشلت بامتياز، قالها سقراط يومًا ما "تكلم حتى أراك" وأقولها لك اليوم "افعل حتى نراك" صدقني مصر ولّادة والنسانيس كثيرون والكل بالخارج يتبارى في سباق الفوز بالموز.

التعليقات