أكتوبر في عيون صفية

أكتوبر في عيون صفية

 

 

أربعة وأربعون عاما مرت علي تلك الابتسامة المرسومة بشفتي والتي ما بارحتها حتي اليوم، تلك الابتسامة التي كانت كالتوبة تجب ما قلبها من حزن ومرارة و هزيمة.

مع بدايات الخريف ونسائمه العليلة التي توشك أن تخون الصيف وتشي علي استحياء بروائح الشتاء، إنه أكتوبر الجميل وذكرياته التي أحتضنها وأخبئها وسط سنوات عمري فقط لأخرجها بين الحين والأخر ، ربما لأستمد منها دفئ الأمل كلما عصفت بي رياح اليأس .

تلك الذكريات التي ظلت حبيسة أضلعي إلي أن أتت صفية بعينيها السوداوين وكفها الصغيرة التي بالكاد تستطيع أن تعد عليها سنوات عمرها الخمس ، وحنينها لزمن لم تخلق به ولم تره ولكن رأت أخاديده علي وجهي وبين اضلعي.

منذ قدوم حفيدتي الصغيرة وقد أضحي صندوق ذكرياتي مكان لعبها المفضل تلتقط قصاصة من هنا وتلهو بأخري من هناك وتلتمع بعينيها نظرات شغوفة ملهوفة للمزيد. كانت هي كل جمهوري وكنت انا القاص.

  بينما كانت تعبث بذكرياتي وقعت بيدها قصاصة خطت بالسواد وتزيلت بتاريخ ٦٧ يونيو .

يا الله يا صفية هي صفحة حالكة السواد، لا أذكر منها سوي الطعم القاسي المرير للهزيمة. لم تحلق طائراتنا يا صفية إنما اقتلعت أجنحتها ،كما اقتلعت أجنحتنا وأفئدتنا .

يومها ضاعت الأرض وأرضنا عرض يا صفية ،  كما ضاعت أحلامنا الصبية ، وضاعت معها الكرامة ، بل ضاعت الحياة بأسرها, صرنا نمشي بين الناس أجسادا خالية من الأرواح نتشح بذل الهزيمة. بعد برهة أدركنا كم كنا كالأواني الفارغة نحدث الكثير من الصوت والقليل من الفائدة لذلك هزمتنا انفسنا قبل ان يفعل العدو يا صفية.

وفي محاولة للخروج من الصدمة، حاولنا أن نختطف لحظات نصر ضئيلة من براثن العدو فيما أسميناه حرب الاستنزاف ، لا بأس ببضع رشفات من الأمل لكنها لم تك تقوي علي ري الظمأ.

دعي تلك القصاصة يا جميلة فلدي الأجمل.

أترين تلك القصاصة المزينة بأغصان الزيتون ونقوش الحناء، وبعض من عطر الليلك، انظري لتاريخها تحمل رقم ٧٣ ، تحديدا السادس من اكتوبر، هذا هو اليوم الذي خبرتك عنه مرارا يا صفية، اليوم الذي قاتل فيه كل جندي منا بكل ما أوتي من عشق لتراب تلك الأرض، بكل ما احتشد بصدره من الصبر والأمل.

فقد وعينا الدرس يا صغيرة تعلمنا كيف نعمل بلا أبواق فارغة كيف نصير بيادق في معركة أعدت بصبر علي مدار السنوات المرة للهزيمة. سرنا خلف قائد محنك استخف به العدو فانزل به هزيمة كالصاعقة. أتدرين يا صفية لقد رأيت جنود السماء تقاتل كتفا بكتف معنا علي أرض المعركة، رأيت الرمل يصطبغ بحناء دمنا ويطلب المزيد حتي أرتضي بالمهر.

رفعنا العلم قبل أن نرفع الرؤوس يا صفية. تنزلت بنا رحمات ربك بعدما غطي القنوط الأعناق. انقلبت الموازين رأسا علي عقب، بعدما كنا الطرف الأضعف لا نحتمي سوي بإيمان راسخ كالجبال. وكما البنيان المرصوص قاتلنا بمعركة كانت هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية أمام عدو يحتمي بكيانات تملك الأرض بما عليها  الا أننا رغم تواضع عتادنا انتصرنا بشرف وألحقنا بالعدو خسائر جسام . ثم عادت الأرض عروسا بكرا .وعادت لنا الأنفس والأنفاس .

أحببنا القائد الذي أعاد الأرض و ستر العرض حتي عندما قال لنا "وإن جنحوا للسلم فأجنح لها" إثر أبرام اتفاقية كامب ديفيد ، صفقنا وقلنا هو ذاك. لكن يبدو أنه جنح بزيادة يا صفية .

ثم رأيت اجمل ايام, ايام النصر والكرامة وقد اصحبت ذكري تبهت سنة تلو الأخرى, حتي ان لم يعد لها اثر سوي بذاكرتي المتعبة.

اليوم حين أراك تضحكين وتلعبين وأري اليأس يحيطك من كل مكان أتذكر ذلك اليوم وتلك الابتسامة, و أشم روائح أكتوبر فتهدأ ثائرتي . إن بعد العسر يسرا، فتزيني وتهيئي يا صغيرة إني أري أكتوبر جديدا مسافرا بعينيك يا صفية.

التعليقات