الشيطان الحزين يمارس العبث

الشيطان الحزين يمارس العبث

أقف في الليل المدلهم مشدوهًا عاري القدمين بينما يصم هزيم الرعد أذني ويبلل المطر صلعة رأسي ويقضم البرد أظافر قدمي، لم تسمع عن برد يقضم أظافر القدم من قبل؟ لكنه يحدث الآن بعد أن أجهز على قدماي فانقطعت دورية اتصالهما بمخي منذ زمن، يكفيني أن أتطلع للقصر البهيم  فيلهيني بهاؤه عن ألمي الشخصي، قصر السكاكيني باشا، غدًا الافتتاح الكبير بعد أن أنهى العمال "الطليان" الدهان الخارجي، القصر مصمم على طراز قصور أوروبا، كيف أعرف ذلك وأنا لم أزر أوروبا؟الأمر سهل؛ أنا أعرف صاحب القصر حبيب باشا،وهذا يكفي، فالبلدان سيماها في وجوه أهلها، معرفة واحدة تغنيك عن معرفة الأخرى، لا داع للتذاكي وتذكيري أنه سوري الأصل، السكاكيني باشا مغزول بالثقافة الإيطالية ؛ يأكل كالطليان ويتحدث كالطليان ويبدو كالطليان، يقولون أن العِرق يمد لسابع جد لكنه ليس بالضرورة عِرق النسب قد يكون عِرق المعاشرة والاختلاط، ثم لماذا يؤخذ على كلامي وأنا لست سوى جنايني فقيرعجوز، الجميع يقولون "أي كلام" ولا أحد يعترض ثم يأتي دوري فتشهرون السكاكين، السكاكيني ليس اسمه الحقيقي بالمناسبة بل أنه صفة وظيفته، اسمه الحقيقي غابرييل حبيب وأسموه بذلك تيمنًا بعمله في تجارة السكاكين قبل أنه يفتحها الله عليه ويتجه للمقاولات، لا أستطيع تخيل ماذا سيفعل غدًا بعد الافتتاح حين ستصارحه ابنته الوحيدة أنها حامل حمل سفاح،مِن مَن؟ من عبده الجنايني الفقير العجوز قذر الهيئة، الرجل سيشرب من كئوس دمائنا ولا شك، حقيقة أنا نفسي لا أعرف ما الذي جذب انتباه آنسته الصغيرة الحسناء فيّ، فأنا لا منظر ولا قالب، ولكني أظن أنه الحاجة لوجود شخص ما، ربما أحست في تعاملها معى بدفء لم تجده في أحضان من بداخل القصر فألقت بنفسها في أحضان من بخارجه، ربما هي الحاجة للعب دور في الحب  أيًا كان الدور أو الشريك، ثم أني لست جناينيًا فعلًا مثل ما أنه ليس سكانينيًا؛ لقد بدأت العمل مع حبيب باشا منذ أعوام مديدة في حراسه منزله قبل أن يبني القصر، أنا إذن أقرب لكلب حراسة أو حارس كلب تخطى حدوده بعد سنوات من الإخلاص، وقريبا جدا سينال جزاء خيل الحكومة العادل.

كنت ألعب لعبة جديدة عندما أتى إياد ولاحظ جوها القوطي المرعب فسألني عن اسمها:

Sad Satan

شرحت له أنها لعبة عجيبة يقال أنها مُسربة بالكامل من الديب ويب،هناك من يُدعى kotaku وهو صاحب قناة على اليوتيوب تُسمىObscure Horror يدّعي أنه لا يعرف أي شىء عن اللعبة وأنه استلم من مجهول ملف تحميلها عبر موقع Tor،هناك نسختان؛ نسخة أصلية "قذرة" كالتي نلعبها الآن، ونسخة نظيفة تم تعديلها وطرحها للاعبين عبر فضاء الانترنت، لا أحد يستطيع الوصول لتلك النسخة الغير نظيفة غير القليلين من أمثالي كما يعلم إياد.

"وما المثير في اللعبة؟"

"المثيرأنك لا تفهم شيئًا؛ تقوم بالجري في متاهة ذات لونين أسود وأبيض و تفتح أبواب في طريقك، كل باب يعرض مشاهد مختلفة لجرائم قتل حقيقية بعضها تم التحقيق فيه كما يقول المستخدمين وبعضها الآخر لا،هناك صور تحرش جنسي بالأطفال،سفك دماء،ضحايا حوادث، قتلة تم اعدامهم أو لم يُقبض عليهم من الأساس،هناك صور لمارجريت تاتشر! كل هذا مع وجود موسيقى تصويرية منزلية الصنع مُقبضة، تظل تهرول من باب إلى آخر بينما يرمقك أطفال لا يفعلون شيئًا غير أنهم يرمقونك، ولكن مع اقترابك من نهاية اللعب يبدأ أحدهم في الجري ورائك كما يفعل ذلك الطفل الآن ثم.."

"ثم ماذا؟"

"ثم تموت"

"ماهذا العبث؟ دعني أجرب"

 

بدأت الموسيقى التصويرية من جديد وإياد يجري بنفس الطريقة المضحكة في نفس الدهاليزالعبثية منزلية الصنع، قام بفتح نفس الأبواب فظهرت نفس الشخصيات بنفس الترتيب حتى ظن أن هناك مقلبًا ما وبدأ ينظر لي بريبة،ولكن عند وصوله للباب الأخير اختلف المشهد؛ ظهر رجل في العقد الخامس أوالسادس يقف أمام قصر مهيب ويبدو من هيئته الرثة أنه لم يشغل منصبًا في الحياة، في منتصف جبهته ثقب كبير ينزف يستحيل أن يكون حَيِى بعده ليحكي كيف أصيب به، في عينيه نظرة تنتزع القلوب وفي يده المرفوعة ما يشبه الساطور يشير به إلى شىء ما وراءنا، نظرنا للخلف في نفس التوقيت فلم نجد شيئًا، هناك ساعة ونتيجة حائط متهالكة بفعل عوامل التعرية المنزلية،عاودنا النظر للشاشة.

 

"ألا تشعر بشيء مألوف في الصورة؟"

"مثل ماذا؟"

"القصر الذي وراء الرجل يشبه القصر في النتيجة"

 

في اللحظة التالية انغلق الباب داخل اللعبة،وجرى طفل جديد وراء إياد ليسلبه روحه، وتوقفت اللعبة.

 

ظللنا صامتين لبرهة نحدق في السقف،ثم امتدت يدي لتبحث عن ملف اللعبة.

"إياد..ملف اللعبة..اختفى..تبخر!"

"ماذا؟"

 

أمجد وأيهم شابان جالسان بأحد الكافتيريات من اللواتي يحبذن الاسم كافيهات، أيهم يطالع العناوين بأحد الجرائد وأمجد يعد أصابع يده، قرأ أيهم بصوت عال:

"العثور على جثتين متحللتين في حديقة قصر السكاكيني بالقاهرة

في سابقة من نوعها تم الكشف عن وجود جثتين متحللتين بحديقة قصر السكاكيني الذي تتخذه حاليًا منطقة آثار وسط القاهرة مقرًا إداريًا لها،أكد الأثري محمود رؤوف أن الصدفة وحدها من لعبت دورًا في اكتشاف الجثث ،وقد أظهر تقرير الطب الشرعي أنهما جثتان لرجل في العقد السادس من عمره وفتاة شابة تم قتلهما بنفس الطريقة؛لأن الجبهة في جمجمة الاثنين مشروخة في نفس الموضع،سلاح الجريمة ساطور حاد مُلقى جوار الجثتين،وقد تم دفنهما بملابسهما الكاملة"

"يلهوي"

بدأ أيهم في قراءة الخبر التالي،ويحكي عن صديقين كانا يلعبان لعبة تسمى Sad Satan.

"ماذا حدث بعد أن بحثوا عن ملف اللعبة ووجدوه تبخر؟"

"لا شىء"

"ماذا تعني؟"

"لا شىء..انتهى المقال"

"كيف هذا؟"

"كما أقول"

"دعنى أرى"

جذب أمجد الجريدة من يد أيهم

"...."

"أمال انت فاكر ايه؟"

التعليقات