أنا بخير

أنا بخير

"أنا بخير"... يخبرك البعض بأنه بخير بالرغم من أن كل ملامحه توحي بغير ذلك، بل توحي بعكس ما يقوله تمامَا، كما تؤكد لك عينيك التي تراه بها وأذنيك التي تسمع بها نبراته الحزينة المعبئة بالشجن.

والناس على اختلافها، منهم من يصدق حرفية الكلمات دون أن يسترعى اهتمامه ما تخفيه الملامح، ومنهم من يهتم ويحاول البحث عن مدخل ليعرف ما خلف الكواليس بدافع الحب والاهتمام.

ليس كل ما يقال لنا حقيقي وصادق كما نظنه، لعل أسوأ مراحل حياتنا تلك التي نكون فيها على سجيتنا، تغلبنا السذاجة في كل شيء، نؤمن ببديهية الأشياء، نصدق ما نراه وما نسمعه بثقة تامة، على أساس أن أعيننا وأسماعنا لا يمكنها أن تخبرنا بغيرالحقيقة، ثم تكشف لك الحياة فجأةعن ستائرها وما وراءها من حقائق غير التي كنت تظنك تعرف تمامًا.

من قال لك أنه يكرهك لم يكن سوى محب ولِه، لكن منعه الكبرياء وسوء ادراكك لمشاعره عن البوح بالحقيقة، وآثر أن يخبرك بالنقيض لأنه تمنى أن ترى الود وحدك، وأنه من الأجمل أن تلمح مشاعره بعين قلبك لا ببوحه الصريح.

ومن كنت تلومه على صمته وغيابه لم يكن غائبًا  في لا مبالاة ولكنه ملّ من تريثه الطويل لقدومك دون بادرة أمل في وصولك.. فرحل.

الذي قال لك يومًا أنك عالمه وأنه يحيا لأجلك وأن وجودك يصنع فارقًا في حياته، لم يكن سوى مجامل لبق، يعرف كيف يحتوي خصومه ويحتوي الجميع، لأن الحياة علمته أن لا يخسر أحدًا لعله يكون ذا نفع فيما بعد، وعلمته أيضًا أن لا داعي لاكتساب أعداء ليس في حاجه إليهم.

إن أسوأ عروض الحياة على الإطلاق تلك الصدمة التي تفيق منها عندما تكتشف أن ما فهمته كان خطأً وما قد وثقت فيه لم يكن محًلا للثقة، وما قمت ببنائه من صروح عالية لكل شيء لم يكن يستحق وأنه وجب عليك الآن أن تدعوه للانهيار، على الرغم من أن كل المعلومات التي وصلتك من صاحب الشأن والكلمات التي صدقتها بخصوصه كانت واضحة بلا مواربة ونطقها بكل وضوح كما وصلت إليك.. لكنك لم تنتبه وأنت تبتلع كلماته بكل يسر وتسليم، أنه ربما قد لا يعنيها فعلًا، لم تنتبه لحجم المبالغة، والمجاملة، واللامعنيّ واللامقصود واللاشيء المحشو به كل تلك الثرثرة العابرة لديهم، الصادقة جدًا لديك للأسف.

تمر سنوات من عمر كل منا على تلك الحالة من السذاجة والتصديق لكل شيء لا محالة، لكن يجب أن تأتي السنوات التي تعقبها وقد نضج ادراكنا، وتشكل وعينا، ثم نبدأ في تمرير كل شيء بكل مرونة دون تصديقه بالكامل.

علمتني التجارب، وسنوات العمر التي مرت أن أقرأ الوجوه، اتفرس الملامح دون أن ألفت انتباه اصحابها  فما بين الثنايا أعمق بكثير مما على أطراف اللسان، أصبحت لا أعير اهتمامًا كبيرًا بما تتفوه به الأفواه وتقسم بصدقه وكماله الحروف، ليس كل من ابتسم تغمره الفرحة ولا كل من بكى تتملكه أحزانه.. هناك معايير أخرى أكثر صدقًا يمكننا استخلاص الحقيقة من بين فكيها.

الحياة ممتلئة بوجوه أخرى خلف الوجوه التي نلمحها عن قرب، خلف كل وجه سراديب مجهولة عنا يخفيها أصحابها لدواعِ كثيرة، مسببات لا نعرفها ومنغصات لا نحياها، خلف كل مبالغة نفاق أحمق تفوح رائحته دون حاجة لجهاز كشف النفاق، ومجاملات تمتلئ بها الكلمات بشكل فاق حد المبالغة، البعض يشعر أن من فروضه اليومية أن يزين كلماته بأكثر مما تحتمل فتخرج باهتة لا يقرأها إلا من اعتاد أن يصدق حرفية الكلمات ثم عليه أن يستعد لأن ينهض يومًأ ما من نومه على صدمة فراق لمن تعلق بحروفهم المنمقة وقلبهم الأجوف.. وظن أنهم كانوا يعنون كل حرف نطقوا به في السابق.

الأمر لا يحتاج لعناء كبير لتفرق بين الكلمات التي يعنيها صاحبها، والكلمات التي تزيد عن حاجة مقصده، يكفيك أن ترى ملامحه وتختبره مرة تلو مرة، تناقش بعقلك لا بقلبك صلب العلاقة بينكم ومتانتها، تتأكد من حقيقة معدنة، تختبره بالمواقف واللحظات الفارقة.

 يا صديقي ليس من قال أنه يشتاقك كذلك، وليس كل من قال لك أنه يكرهك كذلك، ولا كل من قال أنه بخير بخير..لا تصدق حرفية الكلمات ولا تتعلق بالمعنى الأسهل خلفها، كثيرًا ما تمنعنا الحقيقة عن البوح بها لكبرياء ربما أو لعتاب مكلوم لم يمتلك صاحبه القوة ليبوح لك به، لا تجعل الكلمات هي الشاشة الوحيدة التي تكتشف منها حقيقة كل شيء، تمعن في الملامح والمواقف والظروف والقلوب فهي غالبًا ما تكون الأصدق. 

ولا يسعني غير أن أقول:

ابتعد عن الذين يتعمدون تضليلك بكلماتهم، وعن الذين يبالغون في تعبيراتهم بشكل فج ومتكرر، لكن تلطف وسامح عجز البعض عن التعبير عن حقيقة ما بداخله من حب وعتب وود، لعلك لم تطلع على ما مر به من محن وما أثقل لسانه عن البوح... مرروا بعض العجز تكشف لكم كل الحقائق.

 

Juststart72@yahoo.com

التعليقات