الحاجات إياها

الحاجات إياها

 

 

برئ يا بيه".. تلك هى الكلمة التى ظل علاء يرددها طول مدة التحقيق، وهو يتحسس قفاه ويلتفت يمنه ويساراً، عندما سأله وكيل النيابة لماذا تمسك قفاك، قال له هتضربونى يابيه وانا مش حمل قفا الحكومة، اقسم له وكيل النيابة انه لن يمسه أحد وأن النيابه ما هى إلا ضمير الشعب، وأنه هنا بصفته مواطن له حقوق سواء كان جانى أو مجنى عليه، ثم احضر له كوب ليمون ثم سأله بعد ذلك عما إذا كان يحب أن يشرب شيئاً آخر فقال له علاء "شاى نعناع سكر بره".. رشف علاء من كوب الشاى أمامه ثم بدأ يحكى بعد أن بدأ يهدأ نسبياً..

"يا بيه من كام يوم الوليه بليل لامؤاخذه فى ساعة صفا يعنى سمعت كركبه فى المطبخ والعيال ما كنوش موجودين يا باشا، المهم الوليه صوتت وافتكرنا حرامى، الله يحرقهم طلعوا فارين دخلوا من فتحه لا مؤاخذه الشفاط اللى بعناه قبلها باسبوع عشان دواء العيال، الوليه حلفت انها مش قاعده فى البيت يا همه يا هى، وعليها الفارين بوظولنا الليله اللى بنستمنلها كل شهر مرة"

- مرة !

"ما علينا يا باشا دى قصة يطول شرحها".

- كمل يا علاء.

"بس يا باشا شحت من أم ياسمين جارتنا مصيده، وعديت على الحاج سالم الفررجى وخدت منه رجول فراخ شُكك، اسأله يا باشا حصل ده ولا لا .. حطيت الرجول بعد ما سلقتهم يا باشا فى المصيده عشان يدخلوا على الريحه، حار ونار فى جتتهم، ساعتين يا باشا.. ساعتين خرجت اشربلى سجارتين، لقيتهم قاعدين همه اللإتنين، فارين إنما ايه يا باشا أرانب وحياتك ولا الأرانب النيوزيلندى البيضه... كنت قبلها يا باشا بقلب بالصدفة فى التلفزيون لقيت برنامج بيتكلم عن عادات الشعوب وبيحكى إن فى فيتنام والصين بياكلوا الفئران يا باشا..."

- انت هتهزر يا روح امك، فضينلك بقى تحكيلنا عن اوقات فراغك، ناقص تقولى بتفرج على برنامج "ثديات عملاقة"!

- "استهدى بالله يا باشا، انا جيلك فى الكلام"

- خلصنى

"يا باشا الموضوع بدأ يخش فى نحاشيشى ساعة ما شفت الفارين، الصراحه منظرهم كان يغرى أى حد، وبعدين ده رزق واحنا ناس ارزئجيه ونفهم الرزق لما بيجى، ربنا بعتهملى دون بيوت المنطقة كلهم... سعتها كلمت الوليه وقولتلها خلاص تعالى انتى والعيال، اول أما شافتهم صرخت وكانت هتلم علينا الحارة، قولتلها اسكتى يا بت ده رزق وربنا بعتهولنا عشان العيال دى تدوق طعم الزاد واللحمه اللى بقلنا سنة ما دخلتش البيت، مش كفاية شربت الرجول والمصمصه.. ونزلتها السايبر بتاع الواد حمكشه وفرجتها على الفيديو، الناس ما كنش فى قلوبهم رحمه بياخدوا الفار من دول ويدخله فى الميه المغليه سلخ على طول وهو لسه فيه الروح سلخ وتنضيف، او يضربه على راسه يا باشا.. قولتلها احنا مش كفره يا حميده احنا هندبحهم على شرع ربنا وحلاله، حكم احنا ناس تعرف ربنا برده يا باشا ونتقى الله فى مخلوقاته..."

- اخلص يا علاء.. مش كفايه بسمع الفيلم الهندى ده، لخص لا ورحمة أمى أرميك فى الحجز ما حدش يعرفلك طريق جره.

"حاضر يا باشا.. المهم الست اقتنعت بعد اما طمنتها ان مافيش ضرر وان دول العالم أهى بتعمل كده، وان دى ثروه قومية احنا مش واخدين بالنا منها".

- وبعدين ..

"دبحت الفارين يا باشا، ونضفتهم وسلقناهم على حلة مرق تستاهل بوقك !"

- مالكش دعوه ببوقى يا روح أمك .

"اسف يا باشا، بوصف لحضرتك اصل كان ليها فرحة يا باشا رحيت الزفر دخلت البيت من تانى، والعيال بقوا داخلين وخارجين ياباشا على امهم، بس وقعدنا ناكل.. ويارتنا ما كلنا يا باشا، معرفش ايه اللى حصل كنا كويسين والعيال ردت فيهم الدمويه.. وسربتهم على الجيران"

- همه مين ؟!!

"العيال يا باشا"

- اااه

"وعليه ما عدتش ربع ساعه والست أم ياسمين جت تصوت.. الحق العيال، قمت على ملى وشى لقيتهم مرمين على البسطه يا باشا ولا حس ولا نفس رجعت للوليه لقيتها هى كمان مش حاطه منطق.. أنا قولت حد باصصلى فى الموضوع ده يا باشا، كتر خير الجماعة فى الحارة حملناهم فى مكروباص راما وجبناهم على المستشفى، شويه والبيه الظابط جه يسأل مين اللى جابهم، من هنا لهنا قولتله ان أنا اللى عملتلهم الأكل.. والباقى انت عارفه بقي يا باشا !"

- عايز تفهمنى انك ما سمتش مراتك وعيالك؟

"يا باشا حد يضر ضناه.. إش حال بس اللى حصل ده!!"

- ده آخر كلام عندك.

"والله هو ده اللى حصل يا باشا"

- تعرف دول ايه يا علاء؟

"أيوه يا سعادة الباشا دول عضم الفارين اللى كلناهم الله يحرقهم بجاز ... والله يا باشا ما كان فى دماغى كل اللى حصل ده، أديك شايف يا بيه حالنا العين بصيرة والأيد قصيرة "

- ملحوظة: حيث قمنا بعرض محتوى الحرز رقم 111/أ على المتهم الماثل أمامنا وكان عبارة عن بعض أجزاء من هيكل عظمى لفأرين وبعض الجلد وبقايا من شعر، وبعرضهم على المتهم الماثل تعرف عليهم.. تمت الملحوظة.

هذا وقد قفل المحضر فى ساعته وتاريخه وقد أمرنا بحبس المتهم 155 على ذمه التحقيق ... مع الكشف على قواه العقليه، ولحين ورود تحليل المعمل الجنائى،على أن يراعى التجديد فى الميعاد.

أصبحت قصة علاء بعد ذلك على كل لسان، فردت صفحات الحوادث أماكن يتحدثون عنها، ويضربوا بها المثل عن الأيام التى لم تعد كما كانت، و عن الإنسان عندما يخون آدميته وبجوارها صور لعلاء وهو يضع يده على وجهه خوفاً من الفضيحه، تلك الفضيحه التى يأكلون منها عيشهم وفراخهم ومحاشيهم، فى حين تحدث صحفى كبير عن ضرورة إعدام تلك النماذج التى تهدد المجتمع الأمن السعيد، المتجانس الهادئ المستقر بجميع أجناسه، وتحدث أحد علماء الثديات والإيثولوجيا عن إمكانية اختلال النظام البيئى بهذا الفعل الذى يذكرنا بعصر البنى أدم الأول وزمن الشدة المستنصرية وأفرد جزءا من مقاله متحدثاً عن هذا الموضوع..الأمر الذى جعل رئيس تحرير الجريدة يأمر بإزالة الجزء الأخير والإكتفاء فقط بالتركيز على كيفية إختلال النظام البيئى وضرره على تناغم الكائنات الحية جنباً إلى جنب...

مع ورود نتائج التحليل من الطب الشرعى، استدعى وكيل النيابة علاء مرة أخرى...

فتح المحضر فى ساعته وتاريخه...

بعد الإطلاع على تقرير الفحص الطبى الوارد من المعمل الجنائى تبين، أن المجنى عليهم تناولوا لحم فئران محمر مشبع بسم شديد السمية، ومع تحليل بقايا اللحم تبين أن السم غير مضاف خارجياً ، وإنما كان يسرى داخل جسم الفأر، بحيث أصبح جزءا لا يتجزأ من لحمة كالدم والعظم والأنسجه، ومع توقيع الكشف الطبى والتحليل على المشتبه به "الجانى" تبين أنه هو الأخر تناول من لحم الفأر إلا أنه تناول على إثرها جرعه مركزه من عقار "سيلدينافيل" أو المعروف تجارياً بإسم "الفياجرا"، وهو الأمر الذى أدى إلى إبطال مفعول السم بتفعيل أثار مضاده منعت أثر السم فى جسده مما أدى إلى إبطال مفعوله بصورة كبيرة، على عكس بقية المجنى عليهم، وبسؤال المجنى عليهم بعد إجراء الفحص الطبى و تفريع محتويات الجهازهم الهضمى بإجراء غسيل المعده، تبين تطابق أقوال المجنى عليهم مع الجانى، وأنه لا توجد أى شبهه جنائيه، وبعد أن استقر فى يقينا الأمر أمرنا نحن رئيس النيابة بالإفراج عن علاء عبد الخالق برعى ، من سراي النيابة، وذلك لعدم ثبوت الأدلة ضده.. وأقفل المحضر في ساعته وتاريخه".

استقبلت الحارة علاء استقبال الفاتحين، فهو الوحيد فى المنطقة أو يكاد كذلك فى المناطق المجاورة الذى دخل إلى التخشيبه وخرج منها بتلك السرعه، وكذلك ومرفوع الرأس وبأمر من الحكومة فهو الآن صاغ سليم، بغض النظر عن ما دخل بشأنه، بمجرد دخوله عن أم العيال أجهشت بالبكاء وقالت له "بقى تعمل فينا كده برده يا اخويا" فأخذها هو الأخر فى حضنه باكيا "حقك عليا يا وليه، كنا عايزين نقضى ساعتين حلوين بس أهو النصيب"، جففت دموعها ثم نظرة له نظره متشككه وهى تتحسس مختلف جسمه "أنت كويس يا اخويا، أوعى يكونوا عملوا فيك حاجه كده ولا كده، إنت تمام ؟!!"...

"فيه ايه يا وليه.. ما انا قدامك أهو زى البمب؟!"..

بعدها بيومين ذهب علاء الى احدى الهيئات المتخصصه قاصداً الفتوى، كان وجه علاء مألوفاً فهو لم تزل الصحف تتحدث عن قصته، بمجرد جلوسه أمام الشيخ حكى له القصه بالتفصيل، سائلاً إياه: أنا بس عايز أعرف هو الحجات إياها دى بتتنظر يا عم الشيخ؟!

التعليقات