حوار مع صديقي الكاتب

حوار مع صديقي الكاتب

 

س1-أبك وجع أيها الكاتب ؟ صف لي حالتك . 

ج- هو ليس وجعاً .. هو شيء مختلف ، الوجع لا يبث نشوة الروح هكذا إلا قليلا ، بالرغم من كونه موجع بحق  .
إنني أسهر لياليَّ أوصل شرايين جسدي بفوهة قلم الحبر الفارغ ، ليتمليء بالدم وأبدأ في الكتابة على وريقاتي البيضاء فيحال الدم الى ذلك السائل الأزرق  وهكذا أحفز أناملي وأضغط أكثر .. دون أن أعبأ بما يحدث لجسدي .
هو ليس وجعاً بقدر ماهو صدام بين الكاتب وبين الأحداث التي يمر بها في أيامه ، إختلاف الكاتب –أو الموهوب بالكتابة – عن غيره يكمن في أنه نادراً مايستطيع تفويت الأحداث العادية التي تمر عليه بشكل عادي أو عابر كغيره من الأشخاص . إنه لابد وأن ينتقي منها مايستحق أن يخلد . ينقشه على أوراقه ، دون النظر إلى مصير ذلك الورق . فقط هي حالة الرغبة في التدوين .. في الحكي ، في أن يصبح صاحب القلم شاهداً على زمانه . بكل ما فيه من أزمات وصعاب وعجائب .. وأشياء حلوة ومرة ، وإناس بهم ولهم حكايا مثيرة  تمتليء بها بحار الحياة . 
كل البشر بالنسبة للكاتب هم أبطال ممكنين لقصة تدور برأسه ، كل المآزق والمشكلات والتأملات بالحياة هي مسودات لمقالات تقذف بجنين الفكرة في رأس ذلك الشخص . كل جمال الدُنيا ، بهجتها وألوانها أو قتامتها وسوادها هي أبيات لقصيدة تتحرك بها يمناه .
كل جملة عابرة يلقها صديق ، كل مرض ووحدة ، ولقاء غير متوقع ، أو أحد المنعطفات الغريبة التي تدق الذاكرة .. كلها تدفع الى الكتابة . 

"  وما حياة الكاتب إلا مواقف وأحداث يتأثر بها ويتفاعل معها ،  وتختلط لديه  في أعماقه بذكرياته القديمة وآماله و إحباطاته السابقة . وحين يجلس الى قلمه و أوراقه ليكتب فانه يعيد افرازها على الورق مختلطة بأحلامه الذاتيه وأماله العامة للبشر والحياة  " عبد الوهاب مطاوع .

يصعب على الكاتب – أو الموهوب بأي نوع من الفنون الأخرى كالرسم أو صناعة السينما – أن يتجاهل ، ينظر إلى الأشياء والمواقف بشكل عابر بعيون عادية . عين الفنان تحلل ، تثقب تصوِّر وتسجل ثم تتوجه بصاحبها لإنتاج فنه .

وعلى ذلك لا أنكر أن الأمر صعب رغم نشوته فإن الكتابة الإبداعية عملية تشبه تسلق التلال ، حيث يتساقط الضعفاء بينما يواصل الأقوياء –والجيدون-  طريقهم .

هذا هو الإبداع الحقيقي الفارغ من أي أغراض سوى ذاته ولذاته .

 
س2 لماذا أخترت أن تكتب ؟
 
لن أجيب تلك الإجابة الدبلوماسية النمطية "الكتابة هي التي إختارتني " بل لأقول أنني أخترتها أيضاً وكان أرتباطاً حقيقياً قائم على المنفعة المشتركة ، أنا أتخلص من وجعي بالكتابة .. من حيرتي ، من نقمتي على العالم وضجري أو الإستئناس به . اطرح أسئلتي التي لا إجابة لها . الكتابة دواء وشفاء للمريض بها . والورق يحتمل ويصبر بل ويطلب المزيد . لم يعترض يوماً دفتري على اخراجي له في السادسة صباحاً لأحكي له عن كابوس ينهشني ليلاً  ، او حتى عن ذكرى تافهة مرت عليّ . لم يصفر القلم معلناً ارهاقه من ضغط أناملي عليه . لم يملوا منا . وبنا يقين أن ذلك لن يحدث .

" لا يوجد في التاريخ كله جسد حي أحتمل فظاعات الإنسان كالورق" غادة السمان .

س3- بجانب الرغبة الكتابية في ذاتها ..ماهدفك ؟ لماذا تكتب ؟

ج-  في الحقيقة أرغب في الخلود ، ولأن عمري محدود وسنواتي طالت أم قصرت حتماً سنتنهي ذات يوم ؛ فأني أطمع في مقام كل الفنانين الذين رحلو بأجسادهم فقط . منذ صغري وأنا أخاف وأكره الموت .. أكره كل النهايات ، أخافها ، أبغض أقترابها مني . وأولها الموت . فلعله مبرر جيد . 

"لم أفهم معنى ذلك الموت . لا أفهم أي معنى للموت ، لكن مادام محتماً فلنفعل شيئاً يبرر حياتنا . فلنترك بصمة على هذه الأرض قبل أن نغادرها " بهاء طاهر

هل أخبرك بالمزيد ؟ ..  لي صديقة توفيت قبل عدة عقود من الزمان . وللدقة أكثر فإنها تزاملني في المهنة وتشترك معي في  الهدف والشغف . كانت  تدعى  "جاين اوستن "  لعلك سمعت بها .  هذه الرائعة بعد ان انتهت حياتها وإلى الآن يأتي الألوف كل عام لزيارة جاين ، حيث يقفون أمام قطعة من الرخام تحمل اسمها ويوم مولدها ويوم رحيلها . مع كلمات التقدير والإعجاب بصاحبة هذا القلب الذهبي الذي فاض بالحب لكل البشر . وبهذه الأنامل التي خطّت ما لا يمكن محوه مع الزمن  . جين التي لازالت حية حتى اليوم بسنوات رائعتها "كبرياء وهوى " التي نشرت بعدة لغات وتم تحويلها الى أعمال درامية وسينمائية كثيرة في مختلف بلدان العالم . خلدت الكاتبة بخلود مؤلفها .. وبقيت عقود زمنية طويلة رمزاً للتفوق الأدبي . ومرجعاً لكثير من الكتّاب الذين أمسكوا بالأقلام من بعدها في محاولة لنقش أسماؤهم على جدار الإبداع العالى .

أعرفت الآن لماذا جاين حية ؟ ولماذا أذكرها اليوم في القرن الحادي والعشرين ؟

  لماذا تولستوي حي .. بحربه وسلامه ؟

والنجيب باقي .. وطه حسين مبصر ؟

وهذا هو الخلود الذي أعنيه .

" أكتب يا .. فالذي يكتب لا يموت " يوسف زيدان

يتبع..

التعليقات