فتح بطن التاريخ

فتح بطن التاريخ

 

 

سأحاول أن أكون مختصراً، غير مملاً. لن أكتب مقدمة للمقالة أو الموضوع بل سأدخل سريعاً في صلب الموضوع. سنحاول هنا نحلل ماجاء في كتاب أسمه " فتح بطن التاريخ"  لكاتبه بلال فضل، هذا الكتاب الذي لم يأخذ حقه بيننا كالعادة أذا عرفنا أننا نتكلم عن كتاب في المقام الأول. وليست مباراة كرة قدم أو فيلم سينمائي رغم أن بلال فضل –الكاتب- قد عرفناه من خلال الأفلام السينمائية. لماذا فتح بطن التاريخ ! هذا الكتاب يوضح هدف كاتبه من خلال التقدمة في بداية الكتاب أن التاريخ يعيد نفسه وأن الأحداث الموجودة ليست بجديدة علينا وأذا عرفنا التاريخ سنعرف الحاضر والمستقبل. يقول بلال" كل شيء يحدث حولنا الأن موجود في كتب التاريخ لسبب بسيط هو أن كل شيء يحدث الأن حدث قبل ذلك، وكل شيء حدث قبل ذلك يتكرر الأن. لأنه لا أحد في الدول المتخلفة يفتح بطن التاريخ ليتعلم لذلك يجد التاريخ نفسه عيد الأحداث بدلا من أن ينشغل بصنع أحداث جديدة. لذلك يذكرنا بلال فضل بقول نجيب محفوظ جملته الشهيرة" أفة حارتنا النسيان" ويستشهد أكثر بمقولة أمير الشعراء أحمد شوقي" كل شيء في مصر يُنسي بعد حين".

الكتاب يحتوي بين طياته علي 244 صفحة دسمة وقد صدرت طبعته الأولي سنة 2014م تأخذنا إلي حديث الساعة وهي الثورة وماذا حدث قبلها وماذا حدث بعدها ولماذا حدث ولماذا سيحدث. ويحاول الكاتب خلال رحلته المتدفقة بين عصور متفرقة ومختلفة مرت علي بلدنا مصر أن يثبت أن كل شيء يحدث الان ليس بجديد بل يمكنك بشيء من التركيز أن تعرف أن التاريخ يعيد نفسه بل هنالك أحداث تتشابه بطريقة تثير السخرية والحزن في نفس الوقت وإلي الأن لم نتعلم بعد. وقبل أن نخوض في بعض حكايات التاريخ التي قصدها كاتب الكتاب ليبين وجهة نظره احب أن أقتطع جزء من كتابه وأذكرها هنا كما جاءت في أسطر الكتاب لتشكل عمود يقوم عليه العمل ويرتكز علي أرض صلبة لتوضح أكثر ماذا يريدنا بلال فضل أن نفهم يقول بلال في كتابه: الشخصية التاريخية الكاملة لا توجد إلا في الأفلام التاريخية المصرية والمسلسلات حتي اصبحت لا أثق في أي شخصية يسوقها المؤرخون علي أنها ملائكية ولا تمتلك نواقص شخصية...هنالك حوار للمؤرخ يونان لبيب رزق يقول فيه" عندما أُدرس التاريخ أول ما أفعله أصدم طلبتي  فأقول لهم مثلا: هل تعرفون أن مصطفي كامل كان يقترض من محمد فريد ولا يرد ما أقترضه؟ وأن محمد فريد علي علاقة بسيدة عندما سافر إلي فرنسا؟ وكذلك سعد زغلول كان يلعب قمار وخسر أموالا كثيرة منها عزبة؟ ولكن هذا لا يقلل قدره كزعيم سياسي فهذه هي طبيعة التاريخ البشري فهو ليس تاريخ ملائكة. بهذه الكلمات التي يذكرها بلال فضل علي لسان أشهر المؤرخين.. يضع حجر الأساس لكتابه بل يمكن أن نقول حجر أساس لدراسة التاريخ كله.

رغم أن كتاب فتح بطن التاريخ أنشغل كما أنشغل كاتبه بطبيعة التوقيت الحالي هو الكلام عن الثورات المصرية ومقارنتها بالثورة الحالية فهذا يضعنا في الحقيقة أمام أنفسنا وأمام طبيعة المصري البسيط والسلطة أنئذاك والأن..مثلاً

يذكرنا بلال بحادثة تشبه في ثناياها طريقة أشتعال ثورة يناير ووصولها للذروة عندما أرتفع سقف طموحات الجماهير للأطاحة بالرئيس مبارك نفسه.. ففي عام 1695م قدجاء الوالي اسماعيل باشا وبعد أن أنقذ مصر من الغلاء والجوع وساعد علي نشر العدل في بداية حكمه غير فجأة سياساته الأقتصادية وفرض الضرائب الباهظة علي الناس بسبب مشورة مستشاره اليهودي ياسف ولكن الناس ثارت وطلبت أن يبعد ويعزل اليهودي ياسف ولكن الوالي العنيد لم يسمع كلامهم واستهان بمطلبهم فهاجت الناس وأنقلبت علي الوالي نفسه وأرتفعت سقف مطالبهم بعزله هو شخصياً وقد قُتل بعد ذلك. فدائما الجماهير ترتفع سقف مطالبها بأرتفاع العند والظلم الذي تقابله!

وأيضاً واقعة في التاريخ الحديث عندما أحتاج الضباط الأحرار لثورة يوليو برموز عسكرية لرفعها والتمجيد منها فقد رفعوا أسم عرابي للسماء وعملوا منه بطل قومي ومن هوجته ومطالبه الفئوية للجيش لثورة عرابي ودفاعه عن الشعب المصري.. وقد نعته الزعيم المصري مصطفي كامل بالخيانة والأنانية ويذكر بلال حادثة حدثت لعرابي بعد رجوعه من منفاه وتجاوزه سن السبعين أن شباب الحزب الوطني حينذاك كانوا غاضبين منه وكان  يذهبون إليه ويبصقون عليه أثناء جلوسه علي القهوة في لظوغلي ويذهبون فرحين بسبب أهانتهم للخائن عرابي وان كلماته التي نسبها لنفسه  في وجه الخديوي توفيق في ميدان عابدين "لقدخلقنااللهأحراراً،ولميخلقناتراثاًأوعقاراً؛فواللهالذيلاإلهإلاهولانُورَّثولانُستعبَدبعداليوم"لم يسمعها أحد غيره وقد كتبها هو في مذكراته فقط.- أريد أن أضيف أن هنالك مصادر أخري مجدت في الثورة العرابية مثل المؤرخ محمود الخفيف!

ويتصدي الكاتب أيضا في فصل أخر لموضوع الطائفية وأن مصر تعرضت بأيعاز من الانجليز لفتنة طائفية والخلط بين الأنجليز والأجانب والمسيحيين ولكن الشعب المصري الرائع حينها فقد كان يذهب المسيحيين للخطبة في المساجد وحث المسلمين علي الوحدة الوطنية وأيضا العكس من المسلمين بل هنالك حادثة ذكرت أن أحد القساوسة - في كنيسة حارة الروم- حاول منع المسلمين من الكلام  فأنتفض شاب مسيحي وقال دعهم يتكلمون وفعلا تبعه الشعب  المتواجد حينها في الكنيسة ورجع القسيس عن كلامه. واختتم مقالي هذا بمقولة للسيدة روز اليوسف عندما حُبس أبنها أحسان بعد القدوس من جانب جمال عبد الناصر رغم أن أحسان كان كاتب الثورة الأول ولكنه بعد ذلك لقب الضباط الأحرار بالديكتاتورية العسكرية فتقول السيدة رزو اليوسف في خطابا مفتوحاً لعبد الناصر" الحرية هي الرئة الوحيدة التي يتنفس منها الشعب، أنك في حاجة إلي الخلاف تماما كحاجتك إلي الأتحاد"  واكتفي بتلك المقولة الرائعة لهذه السيدة التي كانت تدافع عن ابنها بطريقتها. ورغم أنني ذكرت قليل القليل من حكايا هذا الكتاب الرائع "فتح بطن التاريخ" في محاولة مني لأدراك هدفه الأساسي والمعني الذي يريد كاتبه الوصول إليه.

التعليقات