«نجيب محفوظ» وحكايات القهوة

«نجيب محفوظ» وحكايات القهوة

 

الإسكندرية المدينة الإستثنائية في عالم نجيب محفوظ، لَم يجد نجيب وصفاً للإسكندرية يعبر به عن مدى حبه وتعلقه الشديد بهذه المدينة التي تبعد عن القاهرة مكان عمله وإقامته مئات الكيلومترات إلَّا وصفاً على لسان "عامر وجدي" الصحفي الوفدي أحد شخوص روايته "ميرامار" التي خلد بها الإسكندرية جاعلاً إياها إستثناء في عالمه.

"الإسكندرية أخيراً. الإسكندرية قطر الندى، نفثة السحابة البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، والذكريات المبللة بالشهد والدموع".

بعد غياب "عامر" أكثر من عشرين عاماً عن مدينته، خرجت منه تلك الكلمات عفوية تلقائية، ممتلئة بكل إحساس عميق قوي تجاه المدينة، بكلّ المشاعر التي يكنها في قلبه نحوها.

في ركن لا يتغير، وكرسيين لا يتغيران مهما كان، في كازينو "بترو" القهوة المفضلة لدى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ عند زيارتهم الإسكندرية، يجلسان يراقبان البحر في هدوء من زاوية واحدة.

الجلسة المحببة لعبقريان أحبوا وأخلصوا للأدب أشد حباً وإخلاص.

الإثنان لديهم من النظام والعادات الصارمة الكثير، ما يجعل البعض يستعجب منهم، ويجلهم في آن.

نجيب لا تغادره ساعته أبداً، يضعها في جيب البنطلون الصغير، ولا يخرج من الجاكتة علبة السجائر ليشعل سيجارة إلَّا بعد أن تأذن له ساعته بذلك، أنه قد مضى على آخر سيجارة أشعلها  ساعة كاملة.

ومهما كان فإنه يرفض أن يدخن السيجارة إلّا بعد قضاء الساعة، حتى وإن كان هناك على مرور تلك الساعة دقيقة أو دقيقتين، فإن كان هذا يضع علبة السجائر على المائدة أمامه جاعلاً "بوزها" مواجها له.

إذا كنت من جيرانه فلتضبط ساعتك إذاً  فى الصباح على موعد خروجه من البيت متوجهاً لعمله الوظيفي الذي سرق منه نصف عمره، كان نصف العمر المسروق هذا أولى أن يضاف لنصف العمر الآخر فى الأدب، لا يبدد في وظيفة من أجل الحصول على المال حتى يعتاش، لو أن الدولة حينها أهتمت بأن تجعل له مرتباً ثابتاً على وظيفة الأدب التي يمتهنها ويعشقها، من يجد نفسه فيها، إن كان ذلك قد حدث لرأينا وقرأنا إنتاجاً أدبياً على هذا الإنتاج، لكن لا حياة لمن لا تنادي، فالدولة تعتبر مهنة الأدب مهنة ثانوية.

اليوم الأول من شهر سبتمبر هو يوم شديد الخصوصية عند نجيب محفوظ في السنة، ذلك أنه بحضور هذا اليوم يستطيع الذهاب إلى الإسكندرية، بالرغم أن أجازته تبدأ من بداية شهر أغسطس إلَّا أنه يرفض الذهاب إلى الإسكندرية إلَّا في اليوم الأول من شهر سبتمبر.

يتحدث نجيب عن بداية معرفته بالإسكندرية قائلاً :
"علاقتي بالإسكندرية تعود إلى عام 1920، حيث اصطحبني والدي لقضاء إجازة الصيف في ضيافة صديق جميم له اسمه "محمد بك عمرو" وهو من عائلة "عمرو" المعروفة والتي منها الآن السفير عبد الفتاح عمرو صديث الملك فاروق، وسفيرنا في لندن على أيامه. وكان "محمدبكعمرو" من الأعيان، وله سرايا كبيرة في سان ستيفانو، وفي حديقة "السرايا" يوجد بيت صيفي صغير أقمنا  فيه طوال فترة الإجازة، في حين سافر "محمد بك" إلى أوروبا، حيث اعتاد قضاء الصيف مع أسرته. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها الإسكندرية".

إذا حضر نجيب إلى الإسكندرية في هذا اليوم ودائماً ما يحضر فيه ولا يتخلف عنه أبداً، كان لزاماً حينها على سكان الكورنيش أن يقوموا بضبط ساعاتهم على ساعة وطقوس نجيب الخاصة.

أهم تلك الطقوس وأحبها إلى قلبه هي وصوله إلى كازينو "بترو" ليجد هناك في إنتظاره صديقه المنظم هو الآخر "توفيق الحكيم" جالساً على كرسيه بجواره عصاه، يحتسي فنجان قهوته، مستمتعاً بمنظر البحر الذي يأتيه من هذه الزاوية، فما يكن من نجيب إلَّا أن يسلم ويجلس على كرسيه هو الآخر ويطلب قهوته، وتبدأ بذلك عطلة صيفية بمدينة الإسكندرية لمدة شهر، يلتقي فيه الصديقان كل يوم وفي نفس القهوة، وعلى نفس المائدة، وزاوية محدده ينظران منها تجاه البحر، كأنهم قد انتقلوا بكراسييهم من القهوة إلى الشاطئ.

جين حدث "محمد عفيفي" الكاتب الساخر أصدقائه نجيب وتوفيق وهو جالسهم الثالث في نفس القهوة "بترو"، وقد راح بخياله بعيداً وتصور ماذا يحدث لو أن هذه القهوة انهدمت وخرج مكانها عمارة سكنية؟

ماذا يفعل صديقيه المرابطين هنا لمدة الشهر من كل عام؟

بادره توفيق الحكيم سريعاً شارحاً له
_ موش ممكن نسيب هنا أبداً

_ دي زي قطعة أرض من الوطن.

تحدثوا بهذا لعفيفي، ثم تابعوا مشاهدة البحر من على نفس المائدة، ونفس الكرسيين، يحتسيان القوة صامتين.

هؤلاء الأدباء هم صنعوا للقهوة جاذبية وخيال، جعلوا لها رونقاً خاص، من مكان شعبي لا يُفعل به إلا شرب الشاي والقهوة والشيشة ولعب الطاولة، إلى مكان أدبي.

في كازينو "بترو" تبدأ الحكاية بحوار شلة الحرافيش أو بعضهم، وسرعان ما تتحول إلى ندوة ثقافية.

تلك كانت حكاية قهوة الإسكندرية.

التعليقات