قطار الذكريات

قطار الذكريات

 

 

 وأنا أعبأ أخر ما تبقى من الكافيين، تُهتُ فى فنجانى وتذكرتُ كيف أن الماضى يَقتلنا وكيف نجونا منه بأعجوبة ! وأن كل ما مررنا به أصبح مجرد ذكريات تتداعب عقولنا من وقتٍ لآخر، ذكريات حُلوة وأخرى مؤلمة تجعلنا نبكى تارة ونُعيد الشعور ذاته تارة أخرى، هل الذكريات هى التى تشكل عقولنا!؟ هل كل تلك السنوات التى غمرتنا الأحداث بها تُشكل هويتنا الحقيقة، وإننا بدون الذكريات لا شئ!

بعض الذكريات لا تستحق إنها تبقى فى الذاكرة، كذكرى فراقٍ مُرهق لم ترغب به يومًا، كمرور شخص بحياتكَ أفسادها كاملة، هناك ذكريات تُنسى بفعل الزمن، وأخرى تبقى بفعل الحنين، وأنتَ من يحدد أى تلك الذكريات التى ستبقى معه حتى لحظته الأخيرة.

ويبقى السؤال ما فائدة الذكريات؟

 الذكريات هى ما تبقى من الحدث التى عيشته من قبل، كل لحظة مرت الآن هى ذكرى، ولكن قيمتها الحقيقة، بإنكَ تتعلم منها وتتعظ، وليس لتحييا بها وتكون حبيس أطلالها، وما يُطلق عليه "نوستالجيا" هو مصطلح يستخدم لوصف الحنين إلي الماضي، وأصل الكلمة يرجع إلي اللغة اليونانية، إذ تشير إلي الألم الذي يعانيه الشخص إثر حنينه للعودة لبيته وخوفه من عدم تمكنه من ذلك للأبد، تم وصفها علي انها حالة مرضية أو شكل من أشكال الاكتئاب في بدايات الحقبة الحديثة ثم أصبحت بعد ذلك موضوعًا ذا أهمية بالغة في فترة الرومانتيكية، في الغالب النوستالجيا هي حب شديد للعصور الماضية بشخصياتها واحداثها. فتخيل معى إذا حبست نفسكَ فى ذكريات مضى عليها سنوات عدة، فما الفائدة من ذلك؟ ذكريات قُتلت على يدِ أصحابها، ذكريات مُرهقة ومؤلمة ولن تعود ولن تؤتى بأى ثمار لها، فما فائدة مكوثكَ فى تلك الحالة.

 لا يوجد أحد لم يَمر بحدث، تمنى لو إنه يحتفظ به ويكرره طوال العُمر، ولكن الحياة ليست هكذا، وكل حدث مَر لَنْ يعود ولَنْ يتوقف الوقت عند تلك اللحظة، ولكن ربما يأتى حدث أكثر جمالًا مما سبق عليكَ، أكثر بهجة وربما أقل ألمًا.

 كتبت لى صديقة ذات مرة بإنها عاشت فى ذكرياتها طوال ثلاث سنوات، كادت لا تميز بينها وبين الحقيقة، غرقتْ فى ظلمات تلك الذكريات حتى تلاشت معالم الواقع بعينيها، أبت أن تخرج لصنع ذكريات جديدة، ظلت حبيسة الذكريات وما بها من آلم كاد أن يفتك بها، كانت حالتها مرضية بدرجة مؤلمة، لم تعى إنها مِنْ الممكن أن تُبتلع بسبب تلك الذكريات حتى لحظة حاسمة، أدركت أن عمرها مضى وهى مازلت حبيسة ذكرى انقضت ولم تعود ولن يساعدها أحد ممن تسببوا فى تلك الذكريات، الآلم قاتل ولكن من الطبيعى الشعور به، فهو أحد أساسيات النفس البشرية، ولكن قدرتنا على تجاوز ذلك الآلم هو ما يحدد هويتُنا، هل سنقاتل ونكافح لنخرج من ذلك المستنقع الذى تصنعه تلك الذكريات التعيسة والمؤلمة، أم نترك أنفسنا غارقين فى هذا الوحل!

لا تعش عزيزى القارئ على ذكريات راحلين، فلَنْ تسفيد شئ بهذا الفعل، وقتكَ أثمن من أن تحيا بالماضى، كل دقيقة تمر بكَ لَنْ تعود، فهل هذا الراحل سيأتى لكَ بذلك الوقت الذى سلبه منكَ!. الذكريات خلقت لنتعلم، ونتألم فننضج بها ومعها، هناك ذكريات واجب عليكَ حذفها من عقلكَ، كى لا تعود وتقتحم عليكَ حياتكَ مرة أخرى، وهناك ذكريات رقيقة تذكركَ بإنكَ ساندت "فلان"، وأكملت ما كان عليكَ إكماله بأفضل حال، وإنكَ أنجزت الكثير ولديك المزيد لتنجزه، للذلك لا تعش فى ذكريات عبثية، لَنْ تفيدكَ بشئ، بل اصنع لكَ ذكريات أكثر جمالًا، السعادة لَنْ تأتى إليكَ وأنتَ جالس، بل اذهب إليها أنتَ واصنع ذكريات جديدة مع أناس جديدة، الحياة لن تتوقف عند تلك الذكرى، فتحرك لتلحق بقطار ذكريات أخر، أنتَ من تُشكلهُ هذه المرة.

التعليقات