خريطة العمر

خريطة العمر

 

في بداية معرفتي بالتطبيق الشهير ( خرائط جوجل ) اعترتني الدهشة الشديدة إزاء قدرة ذلك البرنامج البسيط على إيصال المرء إلى أي منطقة يبغي الوصول إليها في سهولة ويسر ، يكفي فقط أن تحدد مكانك والمنطقة المنشودة ليقوم هو بالباقي ، مما ساهم بلا شك في توفير الكثير من الوقت والجهد اللذان يُبذلا عادة في الوصول إلى منطقة أو شارع ما لأول مرة عوضاً عن سؤال المارة في الطرقات ليتضاعف زمن الرحلة .

وبالرغم من براعة ذلك التطبيق إلا أنه في بعض الأحيان يقف حائراً عاجزاً في الوصول إلى بعض المناطق النائية والعشوائية ، ثم أنه قد يتعطل أو يفسد فهو في النهاية مجرد عقل إلكتروني معرض للتلف بأي شكل ؛ بينما أنت لست كذلك ، أنت بشري تمتلك عقل لا مثيل له في بقية الكائنات الحية الأخرى ، عقل حي يتكون من أنسجة وخلايا وأوعية دموية ، بشري مثلك لا يمكنه أبداً أن يضل طريقه سواء مستخدماً ( خرائط جوجل ) أم لا ، فأنت لا تحتاج تطبيق ما لوضع خريطتك الخاصة التي يتوجب عليك أن تسير عليها في دقة كما تسير على نفس المسار الذي يضعه لك جوجل للوصول إلى مبتغاك ، لأنك بصدد وضع أكثر الخرائط أهمية في حياتك على الإطلاق .. إنها خريطة العمر .

تلك الخريطة التي تعد بمثابة المسار الكبير لحياتك ، تسير على خطاها يوميًا لتقترب من هدفك في كل لحظة ، تخط طرقات الخريطة بنفسك وترسم الطريق بعقلك وتضع الخطط لاجتيازه مع الحرص على تخطي العقبات التي ستقابلك بلا شك مثل المطبات الصناعية التي تفاجأ بها وأنت تسير بسيارتك .

لا شك أن وضع تلك الخريطة من البداية هو مهمة صعبة جداً كما أشرت سابقاً ، لكن لا مفر من وضعها وانتقاء مساراتها بدقة متناهية ، لأن تلك الأخيرة هي التي ستحدد ماذا تريد من هذه الحياة بخلاف الأكل والشرب والاحتياجات الأخرى التي يشترك فيها سائر الكائنات الحية ، لكنك تختلف .. حتماً تختلف .. ولأنك كذلك فلا يجب أن تسير على نفس نهج ما سواك من المخلوقات .

الحقية أن 80% من البشر لا يملكون خرائط لحياتهم ولا أية أهداف على الإطلاق ، ويرون أن كل ذلك هراء لا فائدة منه مكتفين فقط بالأحلام الوردية وانتظار أن تتحقق أحلامهم تلك من تلقاء نفسها ؛ وغاب عن ذهننا أن الحلم يصبح هدفاً إذا خرج من نطاق الأحلام ودخل حيز التنفيذ بدوره في خريطة العمر ، فيما عدا ذلك فسيظل حلماً بعيداً ، اللهم تلك الأحلام التي لا يد لنا فيها على الإطلاق مثل الزاوج والإنجاب وغيرها ، وفي كل الأحوال عليك فقط أن تضع المسارات المحتملة وتسير فيها حسبما يتراءك لك تاركاً كل شيء بقدر الله ، فقد يحدث وقد لا يحدث ، المطلوب منك فقط هو تحديد الهدف .. والسعي إليه ، ولن يردك الله تعالى خائباً أبداً .

أتدري ماذا ستجني إذا قمت بالتخطيط لعمرك ؟...

1- كاذب أنت إذا ادعيت أنك سعيد بحياتك الروتينية التي تسير على وتيرة واحدة دونما أية أهداف ، فأنت بذلك قد تحولت – للأسف – إلى نموذج كبير من تطبيق ( خرائط جوجل ) ، لكنه نموذج معطل تالف ، لا يدري إلى أين يتجه وإلامَ يسير .

2- تحديدك لأهدافك سيمنحك مورداً متجدداً من السعادة المفقودة لدى كل منا ، بل إن رحلة تحقيق الهدف نفسها لا تخلُ من السعادة وأنت تجتاز العقبات واحداً تلو الاخر ، فضلاً عن تلك الحاصلة بعد أن تصل إلى ما كنت تصبو إليه .. إنها سعادة الإنجاز .

3- هدفك المرتقب سيعد بمثابة الخيط الذي يجذبك دوماً من أعماق الحياة التي تسحبك بداخلها رويداً ، إنه يذكّرك دوماً أن على عاتقك عمل ما .. مهمة يجب إنجازها ، فلا تلتفت كثيراً لمن يحيطون بك بمشاكلهم التافهة وأحداثهم المتكررة .

4- أثناء رحلتك لتحقيق هدف ما ، سيتغير شيء ما بداخلك ، أنت نفسك ستكتسب خبرات جديدة وأناس جديدة تساعد في تغيير نمط حياتك وتفكيرك للأفضل .

5- الأهم من كل ذلك ، أنك ستجد إجاة شافية على السؤال الذي ينتظرك في الآخرة كما يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ............. ) ، حينئذ سيمكنك الإجابة عن السؤال .. وعن عمره فيما أفناه ..

انهض الآن وافق من غفوتك الطويلة لتضع حريطة عمرك الخاصة ، ولا تكترث لمثبطي الهمم المحيطين بك ، فما أكثرهم ؛ وكفانا ما ضاع .

التعليقات