عن الأشياء التي لا تموت

عن الأشياء التي لا تموت

 

عن البساطة والصدق وما يجلبانه لي من السلامة النفسية، عن اختصار العمر في كلمة، وشرح إحساسي في نظرة، وإبلاغ من أحبُّ امتناني دون تردُّدٍ أو مبالغةٍ.

عن كلمة "شكرًا" حين أنطقها وحين أسمعها، ووقعها المنعش في روحي، وعن الحيوية التي تنشرها بداخلي.

عن الوقت المُهدر في صالونات الضيافة وثرثرة العائلات، وسرادقات العزاء.

عن الوجوه المستعارة ومساحيق التخفِّي، والقيل والقال في جلسات الرِّفاق.

عن الذكريات التي لا تموت، لكنها ماهرة في مطاردتنا حتى آخر رمق فينا، لنظل ما تبقَّى من عمر نستجدي الحنين أو النسيان، في انتظار أن يعلن أحدهما انتصاره على الآخر كي تزورنا السكينة ونغفو ولو قليلًا بعد طول سهر.

عن الروائح النفسية التي تُزكم الأنوف بسبب التراكمات التي لا نبوح بها، لأننا لا نجيد ذلك ولم نَعْتَدْه.

عن القلب وما يحمل من مشاعر مختلطة، عن حب لم يخرج للسطح إلا في حدقات الأعين، ودقات الصدور، عن الحب الذي مات في صمت دون بوح أو مساحة اعتراف كانت كفيلة له بأن يحيا للأبد.

عن انتظار الكلمة التي تختصر كثيرًا من معاناتنا لو صارحونا، وانتحار الأمل من فرط التكلُّف والتخفِّي والادِّعاء.

عن اعترافٍ تأخَّر كثيرًا فأجبرنا أن نُغيِّر خارطة قلوبنا وأحلامنا ومشاعرنا ونعتاد بعدها أن نقبل بما دون الطموح.

عن النفوس التي تشوِّهها الكلمات الجارحة، والعبارات المُحبطة، والنصائح الحادة، والبراءة التي تختفي من فرط السخرية منها، والتندُّر بها. عن الخوف الذي يطاردنا كظلٍّ لا يرحل حتى لو غربت الشمس!

عن الكبت الذي يصل إلى حافَّة الانفجار، والطفل الذي يشيخ مبكِّرًا من عنف التجربة، والألم الذي لا يبرأ من فرط ما نحوم حوله، فلا نحن نتخطَّاه ونتعلَّم منه، ولا ننساه لنبدأ من جديد بداية جديدة.

عن الفضول الذي يقتل صاحبه ويقتلنا معه، عن الباحثين عن الكآبة في الأوقات السعيدة، وسارقي الفرح من أعمارنا من فرط شكواهم. عن الشمَّاعات اللا نهائية التي نُعلِّق عليها عثراتنا كي يهدأ ضميرنا ويغفو.

وعن الضمير الذي انزوى بعيدًا دون أن نحاسبه.

عن الغد الذي نخافه، والأمس الذي ولَّى، لكننا ما زلنا نعدو من شبحه الكريه، والحاضر الذي لا نراه إلا بعد أن يذبل من فرط انشغالنا بتوافه الأمور.

والشَّعر الذي ابيضَّ قبل أن نلتقط صورة للذكرى، وطفولتنا التي ما زالت تبحث عن تعويض لما لم نمارسه فيها، والإنسان الذي تعثَّرت خُطاه دون أن يتعلَّم المشي.

عن العدالة التي أعيانا البحث عنها، والمدينة الفاضلة في أروقة الخيال، والموازين المائلة على أرض الواقع، عن الشِّعارات التي تستهوي فلاشاتهم وأضواء كاميراتهم، وعنِّي وعنك، حيث لا تستهوينا الشُّهرة.

عن الشمس التي ما عادت تشرق إلا في أحلامنا، وعن الحنين الذي لا يموت، والشوق الذي لا يخمد، والحبيب الذي ننتظر خطواته كل مساء دون أن يأتي.

عن الشتاء الذي بلَّل خصلاتنا عندما تشابكت أصابعنا من فرط الفرحة، والقهوة التي نلعق مرارتها ونحن نضحك من شدَّة البرد، والثواني التي تفرُّ من بين أيدينا ولا نريدها أن ترحل، عن الحب الذي لا يموت بداخلنا على الرغم من أنه لم يأتِ بعد.

عن المرَّة الأولى ولذَّتها وبراءتها، عن عطرها ونبضها وشوقها الذي يزداد كُلَّما مرَّ النسيم، عن أول رجل، وأول تعلُّق، وأول انشغال، وخوف الفقد، وخوف الغياب، وجنون الغيرة.

عن اللحظة الأولى من كل شيء وخلودها في كيانك وذاكرتك وعمرك، عن الأشياء التي لا تموت حبًّا أو بُعدًا أو وجعًا، عن كل هذا أتمنى لو استأذنت قلبي وقلمي أن يبوحا.

التعليقات