شريف انتحر.. يا خطباء المنابر!‎

شريف انتحر.. يا خطباء المنابر!‎

يستيقظ من النوم في صباح يوم الجمعة، يغتسل، يمشط لحيته، يرتدي الجلباب والجبة والقفطان، ينظر إلى نفسه بالمرآة ليرى كيف سيراه الناس على المنبر. ثم يأخذ ورقة الخطبة المطبوعة التي سيملي على الناس منها، ويذهب ويدعو الله أن يوفقه!

ما خطبة الجمعة غير: المقدمة والخاتمة وبينهما كلمتين ونصف ؟ المقدمة: هي الثناء على الله ورسوله. والمؤخرة: طلب التبرع من الناس للفقراء والمساكين والمسجد. والكلمتين ونصف: قد تكون عن الأخلاق أو الحياء أو رمضان أو ما شابه ذلك.

ما يهم جُلّ الخطباء الآن –لا أقول كلهم– أن يكون ذا مظهر حسن، وأن تخلو خطبته من الأخطاء اللغوية، وأن لا تزيد مدة الخطبة عن ساعة زمن!

بعض ذلك حسن ولكن؛ هل لهذا كانت خطبة الجمعة ؟ مافائدة كل هذا إن كان من يستمع إليك نائم، أو متيقظ وعقله في وادٍ غير واديك ؟

قل لي يا من إعتدت صعود المنابر؛ كم مرة ألقيت خطبتك على الناس جعلتهم يبكون من خشية الله ؟ بل كم مرة بعد ما أنهيت خطبتك، آتاك أحدهم وقال لك: إني تبت الآن ؟

أظن أنه لم يحدث ولن يحدث، هل تعلم لماذا ؟

لأنك تسرد الحديث والآية القرآنية كما لو كنت تقرأ كتابا في مأكولات الطهي! أقصى ما تقوم به هو أن ترفع صوتك في (المايكروفون) مع آيات العذاب. الكلام الذي ينطق به لسانك لم يمر على قلبك؛ ولذلك يخرج هباءًا منثورا!

ترى أحدهم يتكلم عن الأخلاق، فيستشهد بالأحاديث النبوية الصحيحة على ما يقول، ثم يمزجها بآياتٍ قرآنية، ويا حبذا لو ألقى على الناس أبياتا من الشعر الجاهلي وتكون الأبيات مفعّمة بكلمات لا يفهمها غير المتخصصين في اللغة! وكأن بينه وبين المستمعين ثأرًا وحان وقت القصاص!

أو أن بين المستمعين خطباء مثله ومتخصصين في اللغة، يريد أن يبين لهم (عضلاته) وقدراته على التلوّك بالفصحى دون أخطاء لغوية!

ولا يشغل باله بالجالس أمامه، الذي قضى الخطبة نائم وأستيقظ على الصلاة، أو كان يقظ ولم يفهم شيئ؛ وأول ما فعل بعد ما أنهى صلاته: سب لهذا دينه، ولذاك أمه؛ لأن خطبة الأخلاق كانت للخطباء المتقاعدين وليس الناس.

أنا لست رجل دين ولم أدرس العلوم الشرعية، وأقل من فيكم علمًا أفضل مني بكثير، ولكن لي قلب يشعر ويتألم! قرأت في كتب كثيرة وسمعت من أناس ضرب الشيب رؤوسهم؛ أن خطبة جمعة واحدة –قديمًا– كانت تغير مسار فكر كثير من الناس من المشرق إلى المغرب! كان الإمام يصعد المنبر يقدر وقفته تلك على منبر رسول الله. فحتى إن صعد بورقة، ولحن في اللغة، كان الناس يسيرون في سبيله، ويؤمنون بفكره. أما الآن فلا هم أخلصوا في دراسة اللغة، ولا في توصيل العلم إلي عقول الناس.

لقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تكلم والإمام يخطب فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له" (رواه الإمام مسلم في صحيحه) وواضح من الحديث تشديد صلى الله عليه وسلم على أهمية إنصات المسلم وجعل حواسه كلها مع الإمام. فجئتم أنتم ونقلتم المشكلة من المستمع للخطيب ذاته! لو كل من في المسجد طبّق الحديث على نفسه؛ فلن تسمع بين المستمعين همسا، ولن يعلو صوت فوق صوت الإمام. ولكن إن كان الإمام لا يستطع أن يجمع جُلّ قلوب الناس بين يديه، ويجعلهم يخرجون من المسجد يقولون: سمعنا وأطعنا؛ إليك يا ربنا توبنا! فما فائدة منع الحديث أثناء الخطبة الذي أمر به رسول الله صلى عليه وسلم ؟

أخلصوا نواياكم لله ليوفقكم فيما آتاكم، فستُسألون فيما علمتم ماذا عملتم به.

إضافة:

هكذا كان المقال، وكنت قد شرعت في إرساله للجريدة، حتى شاء من لا يشاء غيره أن أرى قبل إرسال المقال الفيديو الذي صوّره شريف قبل أن ينتحر! ثم وجدت حسابه على موقع التواصل الإجتماعي (فيس بوك) قدرًا، وإذ أنا اتصفح منشوراته، وجدت منشورًا يتساءل فيه شريف رحمه الله فيقول:

(إلي متى سنظل نذهب لصلاة الجمعة لكي تكتب لنا الملائكة أسماءنا ضمن الحاضرين ؟ أليست خطبة الجمعة جُعِلت لتذكّر الناس بدينهم الذي نسوه في غمرة دنياهم ؟ هل هناك من يذهب إلى خطبة الجمعة بورقة وقلم ليدوّن وراء الإمام المهام الواجب أن يقوم بها المسلم الموحّد بالله ؟)

ترى كم شريف بيننا ولم يصل إلينا خبره ؟ وهل سنظل نراكم –يا خطباء المنابر– تقومون إلى المنابر كُسالى ؟ كأن الواحد منكم لا يصعد المنبر إلا ليكون فوق رؤوس المصلين، ليسهل عليه قذف الخطبة –كأنها همًّا يتخلص منه، لا أمانة يحمل همّ إيصالها للناس– من الورقة إلى آذانهم ويرحل سريعًا، كالموظف الحكومي الذي يذهب لمكان العمل ليسجل مجيئه أو ليريهم (طلُته البهيّة) ثم يذهب دون أن يعمل!

وأظن أن خطبة الجمعة القادمة سيكون موضوعها:

الإنتحار كفر وخروج من الملّة . . !

التعليقات