سيف الحياء

سيف الحياء

 

العشم ذلك الشعور الجميل الذي يجعل أحدهم يطير كالفراشة ليستقر فوق كتفك يتكئ عليها بكل أريحية وسعادة كأنها كتفه هو، وكلما ابتسمت له وتحملت، ازداد اتكاءًا واستقرارًا وتمادى أكثر، وزادك من الأحمال حمل.

يتوهم أنه من فرط ما يحبك أو يشعر بحاجته إليك، أنك بالضرورة تبادله نفس الشعور، ويترتب على هذا الاستنتاج الخاطيء، شعوره بالرغبة  في إذابة جميع الفواصل بينكما، وإلغاء كل المسافات الطبيعية الموجودة بين أي طرفين خلقا على الأرض مهما كانت كمية التفاهم والتشابه بينهما.

العشم.. أن يؤمن أحدهم أنك مطالب باستيعابه إلى ما لا نهاية، وأنك مصباح علاء الدين لتحقيق ما استعصى عليه تحقيقه، فيوكِل إليك انقاذه من مهامه وعثراته وتوفير جو من الفكاهة أيضًا لانعاشه، يرتحل بثقله إليك في أي وقت شاء، بعدما فر الآخرون منه من فرط ما أتخمهم بأحماله، دون أن يستوعب خلاصة تجربته معهم أو يتعلم من الدرس الذي آلمه حين رحلوا تاركين كل ما يربطهم به، لكونه لا يرى سوى ما يروق له فيهم فقط، دون مراعاة لظروفهم وأحوالهم وطاقة احتمالهم-التي لا محالة نافذة-  في القريب العاجل.

العشم أن يشعر أنه على سجيته معك.. يتكلم فتسمعه، يتمنى فتلبي له أمنيته، يتعب فيجد راحته على أريكتك، متى أرادك وجدك، ومتى تألم سكنت الآمه... جميل أن يجد أحدهم راحته معك حلول مشاكله وأمنياته.. براحه ومتسعه بقربك.. لكن هل سأل نفسه مرة عن ما يناسبك أنت؟ هل فكر وهو يهرع إليك ليخبرك بما يؤرقه أن يسألك هل لديك متسع من الوقت له في التو والحال؟ الوقت الذي هو بصدد انتهاكه دون أن يكترث بسؤال صاحبه عنه وعن مواعيد نومك، عملك، راحتك، ظروف أسرتك، إرهاقك وتعبك؟ ويهيء نفسه لتقبل إجابتك بالرفض أو بالقبول!!

أنت تحبه وتقدره وتتمنى له الخير وتهرع إليه في كل وقت لتهدئ من روعه.. لكن ليس بالضرورة أن تكون متاحًا له كلما بحث عنك، وإلا اتهمك بالإهمال، وعدم مراعاة مشاعره، والتخلي عنه عندما كان في أمس الحاجة إليك!! تلك التهم المعلبة الحاضرة إذا ما اعتذرت عن تلبية ما يطلبه منك في الوقت الخطأ.

كُثر هم.. الذين يحملهم العشم إلى البعض في الوقت الخطأ، الذين يتوقعون أن يكون الجميع على أهبة الاستعداد متى أرادوا، تؤلمهم الصراحة والوضوح بالانشغال، يجبرون الآخرين على الكذب وتقديم مبررات مقنعة واعتذارات عدة بالانشغال مع وعد بسرعة التفرغ في أقرب أجل ممكن.

كُثر هم.. الصديق الذي يتجاوز خطوطك الحمراء بدعوى العشم، والجار الذي يعكر سكينتك وصفوك بكثرة تتبع تفاصيلك، القريب الذي لا يحترم خصوصيتك ولا مواعيدك ويرى أن ظلكما مشترك وأن لديه بطاقة دخول وخروج في حياتك متى شاء وإلا نعتك بالجهل بما يتعلق بأدبيات الذوق والكياسة.

أصحاب الأسئلة المحرجة التي تتساقط من السماء في المناسبات والأوقات الحرجة، عن أسباب الانفصال، وتأخر الزواج، عن الطفل القادم، وتفاصيل المرحلة!! مختصي العبث بكل ما هو غامض لدواعي الفضول والتطفل الاجتماعي، الذين ينسجون أحاديثهم حول عورات الناس وتفاصيلهم المخبوءة!! ويملئون فراغهم بكل ما هو مثير وحَرِج لاضفاء البهجة المصطنعة في المكان.

كل هؤلاء قتلهم العشم.. وقتلونا به.. بالرغم من أننا لو أمعنّا النظر فيهم عن قرب لأصابك الذهول من رفضهم أن يتجاوز أي عابر قوانينهم الخاصة وأوقاتهم الثمينة وخباياهم الهامة.

بين العشم والغشم شعرة صغيرة، وعلى الذين يتجولون في كل المساحات الممنوحة لهم دون اكتراث- إلا بأنفسهم- أن ينتبهوا لتلك الشعرة فلا يمزقوها بكثرة إلحاحهم وتطفلهم وسذاجتهم التي لم تنضح، أو برائتهم التي لم تصقلها الخبرات والتجارب.. على كل من أنعم الله عليه بمتسع من الرفقة الطيبة أن يحافظ عليهم، بترك مساحة لهم يمارسون فيها حريتهم، دون ضغوط أو تطفل أو تساؤلات أو تقديم مبررات.

أن تحتمل ما لا تطيق أمر لا يؤهلك للوصول للسلامة النفسية، ولأن الضغوط يسببها الآخرون، فأنت ملزم بمعرفة الأشخاص الذين ينهكوك في تعاملاتهم وخصالهم، ومطالب بالحسم الفوري معهم قبل أن تتوطد في أي نوع من العلاقات الإنسانية، لتوفر على نفسك وايجابيتك الكثير من المعارك الخاسرة.

الشخص البريء الغارق في العشم.. من أكثر الشخصيات الجديرة بتحويلك إلى شخص بائس في هذه الحياة، فعلى الرغم من نواياه الطيبة، إلا أنه من أكثر أنواع البشر استفزازًا لغيره وتكديرًا لصفوه، فهو دائمًا ما يتوقع منك الكثير في الوقت الذي يناسبه هو، لا يكترث كثيرًا برغبتك بالانفراد بنفسك أو الانفراد بغيره، هو دائمًا في انتظار أن تكون بالجوار، لأنه يحكم عليك كما يحكم على نفسه، فهو مستعد لتلبية طلبات غيره على الدوام، ويتوقع بدوره أن يكون الآخرون كذلك، لذا لا يساوره شك أن هناك ما يمنع، أو يحول دون أن يفعل الآخرون مثله، هو يرى الآخرون بعين ما يؤمن به، وعين ما يستطيع هو تقديمه لهم، لم يسبق له التفكير في أن هناك تباين في رغبات وأولويات من يتعامل معهم، هو لا يشعر بالحرج لو قطع عليك مشاغلك، أو قضى العمر كله برفقتك ، فهو يسعده أن تفعل ذات الأمر معه، ، لا ينتبه لتلميحاتك المتكررة بعدم التفرغ، لأنه لا يجول بخاطره أنك تعنيه بكلماتك.

لذا فهذا البريء الغارق في العشم لا يسعك أن تتركه هكذا يرطع في عالمك بلا تنبيه واضح، لأنك لن تتقدم خطوة إلا إذا واجهته وحسمت الأمر معه بكلمات واضحة صريحة، وإن كانت موجعة، تذكره فيها بالإسم كي يمكنه استيعاب وفهم ما تعنيه، سيفزعه الأمر ويربكه بشدة، لكن سيتعلم منه درسًا يعجل بنضجه، ويجعله شخص مرغوب فيه من قبل الجميع، أنت لم تجرحه حين صارحته، بقدر ما ساعدته في الانتباه لما طمسه عشمه من لياقة مطلوبة في تعامله مع طباع الناس المتباينة.. شخص طيب كهذا احرص أن يكون صديقك، لكن في حدود ما يمكنك من ممارسة حياتك بالشكل الذي تتمناه لنفسك.

انصحه أن يكون خفيف الظل حين يجتمع بمن يحب، فالحب لم يكن أبدًا تذكرة عبور مفتوحة  لنقتحم بها خصوصيات الآخرين، ونفر في دفاتر مواعيدهم، ونفرط في تساؤلاتنا اللانهائية عن كل شيء يتعلق بحياتهم، الحب لا يمنحنا السلطة لنفتش عما أخفاه الآخرون عنا واحتفظوا به لأنفسهم لو أرادوا أن يطلعونا عليه لفعلوا!!  وأن يتوقف عن دس أنفه في شئونهم واجبارهم بتتبعه الخشن لمساحاتهم الخاصة أن يبوحوا مرغمين، أو يجبرهم على الكذب للهروب من تساؤلاته المتتالية، وأنه سيشاركهم الإثم حتمًا لا محالة!!

الكثير من العلاقات  تكون عابرة.. لدواع التفاعل في الحياة لا أكثر، يلتقي طرفاها بشكل عابر في التعاملات اليومية، كزملاء مرحلة في محيط العمل أو الدراسة، أو في دائرة العلاقات الاجتماعية الموجودة في حياتنا بشكل دوري، لا يشترط أن يفرز هذا التفاعل عن علاقات وثيقة أو دائمة أو رفاق درب.. فإذا ما توهم طرف أنها كذلك بينما لا يراها الطرف الآخر بذات العمق أمر لا يجعل الأخير في موضع اتهام، لعله اكتفى بقائمة علاقات لا تحتمل المزيد، ولا يحتاج لرفقاء جُدد، أو لا يرغب في إضافة هذا الشخص بشكل خاص لأسباب يمتلكها وتعنيه وحده، هذا أمر لا ينقصه أو يلام عليه، كل ما يمكن للآخرين أن يحاسبوه عليه هو الالتزام بالقواعد الأساسية في جدول التعاملات الطبيعية من احترام متبادل ولطف وود.. فعادة لا تنجح أبدًا مشاعر الود بين طرفين إلا إذا كان كلاهما لديه الرغبة في هذا الود والسعة الروحية لاستيعاب ذلك الشخص الجديد في عالمه.. لذا لا تجبر أحد على عاطفة لا يريدها، ولا تطالبه باهتمام يفر منه، ولا تفرح بمشاعر مستجداه  حصلت عليها بسيف الحياء كغنيمة كبرى لم تكن يومًا من حقك.

التعليقات