روايات غير قابلة للهضم

روايات غير قابلة للهضم

سنتحدث اليوم عن الرواية الأسوأ، نعم الأسوأ، الكل يتوقع الأفضل فلا تدع أحدهم يتهمك بقلة التجديد، رواية "الطريق إلي الهند - Passage to India A" للروائي وكاتب المقالات البريطاني الأرستقراطي الأشهر "إدوارد مورغان فورستر"هي أسوأ ما قرأت روائيًا في تقديري الشخصي للغاية، كانت الرواية مقررة كمنهج دراسي لمادة الأدب الإنجليزي في أحدى سنوات دراستي الأثيرة بكلية الآداب، تتحدث الرواية عن الآنسة الإنجليزية "عديلة" التي كانت في رحلة للهند إبان فترة "الراچ البريطاني"، أو الاستعمار البريطاني للهند، والتي كانت غارقة حتى النخاع في طبيعة الهند الساحرة، والتفاصيل المُعطّرة برائحة التوابل حتى أنها ذهبت في رحلة إلي كهوف "مارابار" بصحبة د.عزيز الطبيب الهندي الشاب حيث حدث شىء عجيب؛ كان الجو حارًا وكان الاثنان يتصببان عرقًا وفجأة رقعت الآنسة "بالصوت الحيّاني" بلا سبب واضح وانطلقت تجري خارج الكهف إلى السلطات البريطانية لترفع ضد د.عزيز دعوى "تحرش" قالت أنه تم في الظلام، الطبيب لم يمسّها، هي تعرف ذلك وهو أيضًا، ولكنه قول شاب هندي فقير أمام قول فتاة ثرية قوية من حَمَلَة "كارنيه" الاستعمار في هذا الوقت، لا صوت يعلو فوق صوت المملكة العنصرية صاحبة كبرياء ناطحات السحاب، من قال أن ألمانيا عنصرية لم يتعامل مع إنجليزي، المهم أن ضمير الفتاة استيقظ في اللحظات الأخيرة- أي أثناء محاكمة الشاب الذي كان سيُزف إلى حبل المشنقة بالتأكيد - فنهضت وقالت: لم يفعلها، اللطيف أنها لا تعرف لماذا فعلت ذلك من الأساس؟ وكان علينا كمجموعة بائسة من الطلاب محاولة حل لغز ماذا كان يدور برأس الآنسة الصغيرة، والذي بدا حينها لغزًا أكبر من إيجاد أطلانطس أومواضع دفن العماليق.

البعض قال أن الحرالشديد أصابها بهلوسة، و البعض عزَى ما حدث للعقد النفسية المركِّبة للچين البريطاني: فتاة بريطانية آرية بيضاء ورجل هندي أشعث أسمر بمفردهما في الظلام؟ لابد أنه وغد متحرش، حتى وإن لم يتحرش فعلًا، هل هو مقتحم مجهول كان يراقب الاثنين واستغل الظلام ليفعل كما يفعل أي متحرش يحترم وظيفته؟ هل لعبت فلسفة الاستعماربعقل الفتاة فهيئت لها أن الهنود في مرتبة أقل من البشر، وأن من حقها الفطري أن تفعل بهم ما تشاء؟ المفاجأة أن الفتاة نفسها لا تعلم، لا أحد يعلم، كل ما قالته أنه قد غشيها صدى صوت كالندّاهة فشعرت أنها في صدمة فسرها عقلها لاحقًا أنها محاولة تحرش جنسي من قِبل الدكتورعزيز! ولم يزل خريجو قسم اللغة الإنجليزية يذهبون الواحد تلوالآخر ولا أحد يعلم ماذا حدث بالظبط، كدت أجن لأن بحكمي فتاة أستطيع تمييز جيدًا هل تم التحرش بي أم لا.

المسألة ليست هندسة صواريخ ولا تحتمل أنصاف إجابات، الحرلا يفعل هذا، إلا إن كانت الفتاة تناولت "قرصين حشيش" قبل دخول الكهف، حتى تفسيرعقدة المُستعمِر لم أرتح له؛ لأن الفتاة كانت صغيرة لطيفة غارقة في حب التفاصيل الهندية كما قلنا، إن لم أكن أعلم أفضل لقلت أنها هي من تحرشت بالشاب، نعم كان هناك صراع بين الثقافتين وغل متبادل ربا على مدار أعوام طويلة؛ بريطانيا لم تحتل الهند تحت تهديد السلاح، ونظرتها لها في البداية كانت تجارية بحتة؛ فقد دخلت بريطانيا في منتصف القرن السادس عشر ماراثون الدول الأوروبية في البحر الأبيض المتوسط للبحث عن سلع الشرق والإتجار فيها، ولما أحسّت أن التجارة البحرية وحدها لا تفي بمتطلبات السوق البريطاني من الشرق، أنشأت شركة "الهند الشرقية الإنجليزية" عام 1601 لممارسة واحتكار التجارة الشرقية، ثم بعدها بسنوات عديدة تم نقل مقر الشركة إلى "بومباي"، وتوغلت تلك الشركة في الاقتصاد الهندي واستفحلت حتى وصل الأمر للاحتلال الفعلي للهند في منتصف القرن التاسع عشر، الأمر الذي باركه المهراچات ونواب الشعب الذين قاموا بتوقيع معاهدات مع بريطانيا لضمان بقائهم في الحكم.

حتى "الكوهينور" الماسة الأكبر في العالم وقتها، التي تحدثت الأساطيرعنها كهدية إله الشمس لأهل الأرض، أخذوها وزينوا بها تاج الملكة فيكتوريا أثناء تتويجها كإمبراطورة للهند، سنوات كثيرة من الاضطهاد المجتمعي والعرقي والمعاملة الدونية للهنود حتى وإن كانو أصحاب أرض، الحق أنه كان الأجدر بفتى الرواية رفع قضية تعويض، كنت أصاب بوعكات قولون "فكري" عندما كان يتم إرسالنا إلى حجرة الميديا لمشاهدة الفيلم المُقتَبس من أحداث الرواية والذي تم إنتاجه عام 1984،لابد أنهم أنتجوا الفيلم في محاولة لإيجاد من يجيب على السؤال السرمدي، الحقيقة أني كنت أرى الأمر مط درامي وتطويل ليس له داع، وكان من الأفضل أن تُفرد الصفحات لاستعراض الثقافة الهندية أكثر أولابتكارعقدة وحل أذكى، ولكنه رأيي الشخصي كما قلنا، الرواية مشهورة ولقد صنفتها دار نشرالمكتبة الحديثة "Modern Library" الأمريكية كواحدة من أهم مئة عمل أدبي في القرن العشرين، ولكن يبدو أننا لسنا على نفس خط الطول.

التعليقات