تغريدة البجعة

تغريدة البجعة

عبر رواية شجرية يرصد لنا مكاوي سعيد سيرة حياة رجل يحمل على أكتافه هموم وذنوب قرن كامل من الزمن وهو القرن العشرين. حيث تبدا الاحداث من المقهى مغلفه بعمق الليل شديد البرودة لتبدأ أول إشارات النص إلى ما هو قادم في تلك السيرة من غربة واحزان متصلة.

حيث نتتبع سيرة ذلك الرجل الذي يحكي من داخله فقط، عن العالم الذي يحيى وسطه غريبا. هذا الحكي الداخلي رسم صورة عن داخل البطل مناقضة تماما للصورة التي يواجه بها ذلك العالم. حيث تتجلى في هذه النقطة واحدة من اهم الإشارات التي تحملها لنا الرواية عن تناقض العالم والبشر في هذا التوقيت من عمر الانسانية. فالبطل باطنه يخالف ظاهرة طوال الوقت. بدء من ازدواج تصرفاته بين علاقته الافلاطونية بحبيبته هند وانغماسه في الانحراف مع رفقائه في الوقت ذاته مرورا بعلاقته بمارشا الامريكية ممثل الرأسمالية والنظام العالمي الجديد وتناقض ذلك مع تاريخه وافكاره اليسارية القديمة، وصولا الى تناقض افكاره ونوازعه الداخلية مع اغلب افعاله على مدار رحلته.

الاشارة الثانية التي تحملها الرواية هي الاستياء والغضب من القبح العام المستشري في العالم. وتتبدى هذه الاشارة في تكرار استخدام مترادفات تعبر عن الفضلات الادمية بكثرة وفي مواقف عديدة ومتباينة تجمع ما بين الحنين والاستياء والموضوعية خاصة في النصف الأول من الرواية. كذلك تظهر ايضا في تسليط الضوء على قضية اطفال الشوارع بكل ما تحمله من تهديدات كامنة للمستقبل. حيث افرد لها في شجرة النص فروعا عديدة لتبدو واضحة وجلية بقوة حتى مع تداخلها مع باقي خطوط النص المتشابكة والمتشعبة بقوة.

الرصد الروائي غير الوثائقي هو عمود الخيمة في هذا العمل. فحياة البطل تسير عابرة العديد والعديد من الاحداث المهمة والمؤثرة على مدار اكثر من عقدين من الزمن. فيرصد الرواي احداث بعينها تقع كخلفية للمشهد الروائي بما تحمله في داخلها من دلالات تخدم على رؤية النص العامة ككل. وكذلك يتم رصد احداث اخرى من داخلها حيث يشارك البطل فيها بشكل كامل أو جزئي فتكون في أغلب الأحوال نقط تحول في مسار حياته وفي احيان اخرى مجرد اضافة وتأكيد على رؤية وهدف الرواية في رصد قبح العالم وتناقضه.

شخصيات العمل عديدة ومتشعبة تظهر وتختفي بشكل محسوب ومدروس بعناية تجعل القارئ مترقبا لها باحثا عن مصائرها طوال الوقت. فلا تختفي شخصية من الشخصيات الرئيسية بشكل كلي بعد ان تؤدي دورها كما يظن القارئ بل تظهر حاضرة في النص حتى لو في هيئة ذكرى أو طيف واحيانا تخرج من النص وتجلس بجوار الرواي فتكون مشاركة في عملية الحكي المستمر لهذه السيرة عن طريق تلقي الخطاب أو الاستماع.

هذه السيرة الذاتية للبطل ليست سيرة شخصية لشخص بعينه إنما سيرة عامة لجيل أو أكثر تنأى بما تحمله من اخفاقات وفشل وأحزان وهموم سحقت هذا الجيل وجعلت منه اشباح خالية من الروح كما جاء على لسان البطل في حواره الداخلي الذي يخاطب فيه كريم بشكل متخيل:” أريد الموت قذارةً، أن أتطهر بالوسخ، فربما يتجنبني الوسخ ويظهر لي اشمئزازا. العلم والتنظير والبوتقة التي نعيش فيها ونحتمي ورائها عزلتنا عن العالم الحقيقي، صنعنا عالمًا أخر موازيًا ليس جميلا ولا محملًا بالمثل، بل عالمًا تافهًا متعاليًا خاليًا من الروح”

حيث يدين بهذا الحوار نفسه ممثلا لجيل كامل مارس الانعزال والفوقية والادعاء حتى النهاية فتحول الى ما يشبه حالة البطل الشبحية العدمية المتناقضة او تحول الى كائنات متسلقة افاقة مدعية ومتناقضة ايضا. وكذلك تتكرر مثل  هذه الافكار عبر العديد من الحوارات الداخلية في مختلف المناسبات عبر النص في تأكيد على أن الإدانة ومحاولة التطهر من الاثام التي وقع فيها البطل وجيله هي هدف النص الأول.

لغة الرواية لغة وسيطة وسلسلة تخلط بين الفصحى والعامية في تناغم لا يعوق تسلسل السرد ولا توقفه من اجل التفسير او محاولة استعياب الانتقال بين المستويات اللغوية المختلفة.

كون الرواية شجرية تمتلك خط اساسي للسرد وهو مصطفي تتفرع منه خطوط عدة تنقطع بشكل نهائي أو بشكل مؤقت لتعود إلى الاتصال مرة اخرى في مواقع غير متوقعة جعل الرواية بلا حبكة رئيسية لكن ذلك لم يؤثر على جمال النص ولا  عمقه وتماسكه. فخرجت الرواية في صورة وثقية اجتماعية تشهد على تغيرات سياسة واجتماعية بالغة الحدة والخطورة ودون حتى ان تحذر من اخطارها المستقبلية او تقدم اجابات او حتى اسئلة حول ما كان او ما سيكون. لتكون رسالة عدمية هدفها الرصد والتسجيل والادانة مع اشارات خفيفة عن المستقبل واحتمالات التغيير المختلفة فيه والمتساوية فيه سلبا وايجابا.

التعليقات