البقاء للأرخص

البقاء للأرخص

 

أتذكر تلك المتعة التي كانت تصاحبني إذا ما رافقت أبي أو أمي إلى السوق لشراء أي شيء، ولما لا وقد كنت متفرغاً للمشاهدة وحسب؛ طالما أني لست مضطراً إلى القيام بعملية الشراء بنفسي، إلا في تلك الحالات التي تكون فيها السلعة قيد الشراء واقعة في نطاق احتياجاتي وتفضيلاتي، فكان تدخلي حينها حتمياً.

كما أتذكر أيضاً من تلك الجولات، تفقدنا لمحال كعمر أفندي وشركة بيع المصنوعات المصرية، وما كانت تحويه من معروضات مختلفة ومتنوعة، وكان جناحي المفضل هو ذلك المخصص للسلع المعمرة، حيث كنت أتنقل بحرية لأعاينعن قرب الثلاجات والغسالات والدراجات الهوائية والبخارية واتفحصها بدقة. إذ أن فتح باب الثلاجة أو الاقتراب من الغسالة أو من أي جهاز يعمل بالكهرباء تُعد أنشطة محظورة داخل المنزل.

ولا أنسى الوجوم الذي كان يعتلي أوجه البائعين العاملين بتلك المحال، وتباطُئهم في تلبية نداءات الزبائن، ورغبتهم غير المعلنة صراحة في أن تنشق الأرض وتبتلع جميع الزبائن الموجودين أمامهم، خاصة الأطفال منهم، وهو ما تحقق لهم بعد حين ولكن بسيناريو مختلف.

والآن دعني أطرح عليك سؤالاً:

هل حاولت ذات مرة أن تنظر في عيون الناس من حولك في السوبر الماركت أو أسواق الخضار ومحال اللحوم والأسماك؟

غالباً لم تحاول، فمن منا في تلك اللحظات العصيبة التي يشتري فيها احتياجاته واحتياجات أسرته سيكون لديه فرصة مواتية لمراقبة المشترين من حوله، فالكل منشغل حينئذ بالاطلاع على الأسعار ومراقبة الموازين وتدقيق تواريخ الصلاحية المطبوعة على العبوات، ناهيك عن محاولات تخفيض السعر مع البائع، والتي تنتهي غالباً -مهما طالت- بانتصار الأخير ، مع استثناءات قليلة تحكمها اعتبارات لا مجال للخوض فيها حالياً.

وبفعل عدة عوامل اقتصادية واجتماعية، أصبحت مهمة قضاء حوائج الأسرة مسألة مربكة ومحبطة وبغيضة في غالب الأحيان؛ ففي الوقت الذي تغدو فيه إلى السوق بأموالك متخيلاً في لحظة عابرة أنك ستقتنص كل ما تحتاج إليه، تروح محملاً بنصف نصف ما كنت تريد، ولا يزيد عليك سوى هموماً متجددة حول كيفية تدبير فارق الثمن لاستيفاء الاحتياجات الأساسية التي لا غنى عنها.

ولا جدل أن قرار الشراء –فيهذه الأيام- قد احتل موقعاً متقدماً بين القرارات المصيرية التي يقع على كاهل رب الأسرة اتخاذها-رجل كان أم امرأة حسب الأحــــوال ولا جدل أيضاً أن الأسعار-في ظل ارتفاعها المضطرد- أصبحت معياراً هاماً يحكم ويتحكم في ذلك القرار على نحو يكاد يكون منفرداً دون غيره من المعايير الأخرى كجودة السلعة ودرجة الاحتياج لها وغيرهما ... فكم من مرة نضطر لقبول وزن أقل طالما أن سعر العبوة لم يرتفع، أو نقبل شراء نوع آخر من الجبن فقط لأنه أرخص من ذلك النوع الذي اعتدنا عليه لأن سعره أصبح خارج قدراتنا الشرائية، ناهيك بالطبع عن تلك السلع التي نكتفي بالمرور أمام أرففها لنشاهدها عن بعد دون اقتراب أو لمــس كلوحة فنيه أصلية منتصبة على حائط أحد متاحف الفنون بباريس أو روما.

ورغم تلك التضحيات التي نقدمها قربانا لضبط ميزانياتنا، إلا أن قائمة التضحيات لم تنتهِ بعد، ففي ظل القسوة التي تسيطر على عمليتي التسوق والتسويق مستغلة في ذلك الرغبات الضعيفة للمستهلكين أمام حملات ترويجية زائفة،تقودهم في كثير من الأحيان لشراء الوهم حتى وإن كان رخيصاً، فمع الوقت تُحدث تلك المنظومة المختلة تشوهاً مزمناً بالقدرة على اتخاذ قرارات المفاضلة بين السلع، فمن منا لم يعمل غير مرة بالمثل القائل بأن "الغالي تمنه فيه"، فطرح السلع الرخيصة جانباً واشتري مثيلاتها غالية الثمن الأصلية الصحية فائقة الجودة ذات الضمان الممدد لسنوات، ليفاجأ بعد فترة ليست طويلة بأنه "خد صابونة"، وأنه لو كان اشترى الأرخص، كان وفر أموالاً أكثر خاصة وأن فارق الجودة لا يستحق فارق الثمن المدفوع.

وبذلك تكون المحصلة النهائية أن البقاء للسلع الأرخص-كبعض البشر- نضطر لشرائها إما لأن سعرها رخيص ومناسب لقدراتنا، أو خوفاً من المقامرة بأموالنا في سبيل جودة ليست مضمونة، خاصة وأن مصداقية الحديث عما يُسمى "حماية المستهلك" مرهون بمخاطرة تعاطي بعض المواد المحرمة شرعاً والمجرمة قانوناً، وحالها في ذلك كحال مصداقية أمور عدة في حياتنا.

التعليقات