الحنايا المثقلة

الحنايا المثقلة

 

"لا تدري لماذا تكتب، مع أنها لا تحب الكتابة و ليس لديها الصبر لا للجلوس إلى ورقة بيضاء تبثها دواخلها، و لا لتوثيق أحداث سويعات من عمرها ترغب جاهدة أن تمحوها من ذاكرتها.

لحظة صفاء نادرة كانت السبب في اتخاذها لهذا القرار، ارتأت فيها أن تترك بعض المعالم عنها، كلمات تنثرها في طريق حياتها، تلتمس بها سبيلها حين تتوه عنها نفسها ويصعب عليها إيجادها....

بين ضلوع الألم المتحجرة يسكن الأمل، يتشبث بها، يختلس النظر من بين فجواتها علّه يجد له منفذا، تأتيه لفحات السياط الحارقة فتجزّ به في الأعماق، و يتمنى لو يقبع هناك بلا حراك يأخذه سبات لا نهاية له، ثم يتحامل على نفسه و يزحف الهوينا، ليتشبّت بالضّلوع الحارقة، يختلس النظر في وجل من بين فجواتها، علّه يجد منفذا.

كانت تتمايلُ على نغم دنيا الناس، تُهَدْهِدُها الكلمات، و تُذهب الابتسامات أحزانها الصغيرة، كلُّ دروب الحزنِ كانت تختفي مهما تدحرجت بين طَيَّاتِها، كل القناديل الباهتة بين جوانبها، تستحيل شموعا دافئة، كل الظلال العملاقة المعتمة تَتَوارَى بين أجنحة الليل... و يصبغ حِصارُ الغَسَقِ الآسر بحمرته الهَفْهافَة جوانح الصقيع فتبدو مدافئا لكل الوجود…

هكذا كانت تُمسكُ ضياء الثقة بطَرفِ سَبَّابتها، و تضعُها بين حاجبيها، فيَسْري نورها يَمْلَأ جوانحَ العَقْلِ و النفس.

تلك اللعبة التي نَلْعَبُها و نحن صغار...تُغْمِضُ عَيْنَيْكَ و تترك نفسك تسقط مع وعد مَتين،ٍ ممَّن اخترت أن تَثِقَ فيه، بأن يَتَلَقَّاكَ و لا يترُكُكَ تسْقُط.

أحبّٙتْها….

مع الأيام، عرفت أنَّ الثِّقَةَ طفل صغير يَمُرُّ بكلِّ مراحل النُمُوِّ...نُطفة، فجنين، فمَوْلُود يَنْمو إلى أن تراه يمشي أمامك يملأ الحياة بهجة و حبورا.

اغتيال الطفل الذي نما من أفظع أنواع الاغتيال.

كادت أن تواريه التراب حيث هو،  كادت أن تترك روحها بجانب رفاته، و تعدو كما الأموات الأحياء،  فتجعل كل الطرق إليه تضيع من قدمها.

كادت أن تقبع في دنيا الناس بلا حراك و تذهب في سبات لا نهاية له.

تحاملت على نفسها و زحفت، و تشبثت الهوينا بالضلوع الحارقة، تختلس النظر في وجل من بين فجواتها، علّها تجد منفذا،

هذه لَمْ تَكُنْ صَرْخَتها بَلْ أَنِين اٌلْسِّنِينِ وَ تَعَب اٌلنَّفْسِ  ."

حدثتني بهذا عند الفجر، أنصتت إليها طويلا، كانت كلماتها تحمل كآبة صامتة فأبيت أن أجتر أحزانها بأية عبارة مواسية رغم تطلعها إلى سماتي.

انتظرت إلى أن اختفت تلك العبرات المخنوقة تحت وطأة ما أسررتْ به، أخذتُ يدها بين يدي، أحسستُ سكونها الجميل، فقلت هامسة:

- طيفك ما زال يرسم ألوانا، ربما اختفت إحدى هاته الألوان من لوحتك، لكن من قال أن نبعها نضب، ما زالت قطراته ندية، و قطرة قطرة يحمل الوادي، سيحملك ثانية لمنبع الألوان، فتجدين لونك…. أتدرين نحن بارعون في حياكة أغطية الباتشوورك، بارعون في اختيار ترقيع أيَّامِنا قطعة...قطعة، إلى أن تَتَمَلَّكُنا لحظاتُ الحنين، و تُنشأ كل قطعةٍ زاوية حَكْيِها و كأنّها القبائل تتفاخر في سوق عُكاظِها، فتَنْشُرُ عَبَقَ الذكرياتِ و تُأجِّج ذاكرةَ الوجع، و كم هو موجِعٌ ذلك الفَقْدُ حين يخرج من ثنايا الذكريات.

كم أتمنى أن يأتيك الحب، حب لهاته النفس الجميلة التي بين جنبيك،  حب يَلُفُّك بِعِشْقِ اٌلْوُرودِ، يجعلك تراقصينها عَلَى أَنْغَامِ كُلِّ اٌلسَّمْفُونِيَاتِ اٌلْحَالِمَة...اٌلْهَادِئة، حب يَرْفُل        في أَثواب الذكريات الدَّافِئَةِ، يَكْبَحُ سَيْلَ اُلْآهَاتِ الدَّفِينَةِ، يَرْفَعُ إِكْلِيلاً مِنْ زُمُرُدٍّ بَرَّاقٍّ، حينها لن تأبهينٙ لأحدٍ و ستهتفين ، أنِيرِي أَيَّتُهَا الزُّهَرَة فِي سَمَائِي، وَعَلِّقُوا الْقَمَرَ زِينَتِي

وَ رَتِّلُوا كُلَ الأَهَازِيجِ .

عندها ستجدين نفسك.

التعليقات