الأفراح في بلادي

الأفراح في بلادي

 

كانت الأفراح في قريتي بسيطة جدًّا، ومفرحة في الوقت نفسه، يجتمع الشباب ثلاث ليال متتالية في بيت العريس يغنون "يا قاعدين على كراسيكم أرمي السلام على مين فيكم مادام حبيبي مش وسطيكم وسلم علاااااااي"، يدندنون موال "على أول الطريق الزراعي".ويوم الفرح تقام موائد بسيطة بأكل قليل فيه البركة، تطهوه النساء على "الكانون"مستخدمين جذوع النخل، ويوم الفرح يُزَفُ العريس عَلى نغمات "طالعة الجبل حفيانةياك جوزك عسكري...". وفي الصباحية تأتي الست تفيدة في الصباح الباكر تغني "يا مية صباح اللبن والسمن والسكر عليه".

تزوج أبي في غرفة ببيت جدي فيها سرير ودولاب ونامليةوحصيرة ووابور جاز... أشياء بسيطة، لم يكن أبي يعرف النيش، ولم تأت أمي بطاقم الأركوبال، ولا تسمع عن الصيني والسيراميك، كانت الزفة بسيطة جدًّا؛ أصدقاءٌ يغنون في المقدمة "الجمل برك على الصليبة بنت عمك مش غريبة" معهم طبلة وطار، ونسوة يزغردن، وجدتي ترش الملح من فوق سطح البيت، كبر أبي وبَنى بيتًا، واستمر أبي مع أمي رغم أن قايمتها لا تتعدى ألفي جنيه.

ليس لدينا اليوم حلٌ لممارسة حياتنا دون الزواج؛ العرب والمسلمون في الماضي تغلبوا على الأمر بالجواري ملك اليمين، والغرب اليوم تغلب على الأمر بطريقته المعروفة، أمَّا نحن فلا نستطيع اتباع هذا ولا ذاك، لأسباب عديدة، وليس لدينا حل سوى أن نقنن عملية الزواج ليصبح الأمر أيسر، وإلا فإنه سيحدث ما لا يُحمَد عقباه؛ فالزواج العرفي ما أكثره، وذوات الرايات الحمر منتشرات في كل مكان، والمواقع الإباحية في متناول الجميع...

من أراد أن يتزوج اليوم فعليه أن يشتري شقة وشبكة وغرفة نوم وسفرة ونيش... كما أنه لا بُد أن يحجز في القاعة الفلانية، والكوافير والعربية... ويتحمل ما لا يطيقه بشر؛ فضلا عن أنه في فترة الخطوبة-التي قد تمتد في بعض الأحيان إلى سنين-عليه أن يقدم الهدايا لها ولأمها وخالتها... فيضطر أن ينتظر وينتظر حتى يشيخ، كما أن العروسة لا بد أن تشتري وتشتري وتشتري، حتى أصبح الزواج كما الحج لمن استطاع إليه سبيلا.

اجتمع شباب من قريتي على "فيس بوك"، وأطلقوا حملة لتخفيف تكاليف الزواج، شعارها "بنتك ست الستات مش سلعة بتبيعها"، وكتب الشباب "بنات وولاد" على صفحاتهم الشخصية على "فيس بوك" عن الحملة. ونزلت الحملة إلى أرض الواقع، وتم تنبيه جميع خطباء المساجد أن تكون خطبة الجمعة عن غلاء المهور وتيسير الزواج. وأعلن عن اجتماع بخصوص هذا الأمر في المسجد الكبير، وقرروا تشكيل لجنة من أهل الرأي لمتابعة الأمر،ومحاولة وضع حدٍّ أقصى أو الاتفاق على خطوط عريضة يهتدي بها الأهالي، مشددين على أنَّهم ربما يقاطعون الأفراح التي لا تلتزم بالأمر، وهذا حدث لو تعلمون عظيم...

يحكى أن شابًا خطب فتاة؛ فغلي أبوها عليه المهر وشدد عليه الأمر، وألزم الأب نفسه بحاجات المطبخ والملابس... وصعبَا الأمر اليسير، فتزوج الشاب من الفتاة، وغرق أبو العروسة في الأقساط، ومازال الشاب يسدد الديون، ويؤجل الأقساط، وغير منتظم في الجمعية التي قبضها قبل الفرح، ويدعو "على اللي اتجوز قبله ومقلوش، ولا اللي هيتجوز بعد وميستشرهوش"...

ويحكى أن شابًا أعجبته فتاة فذهب إلى أبيها ليخطبها؛ فغلى عليه المهر وشدد عليه في الشبكة، وأصر على النيش والسفرة وغرفة الأطفال والقاعة... وكانت الفتاة تسمع وتحب الشاب، فاتفقا على الهرب، ولا يعلم أحدٌ مكانهما حتَّى الآن...

يحكى أن شابا أعجبته فتاة، فذهب إلى أبيها وخطبها، وقَبِلَ أبوها بدبلة ومسكن به فرش بسيط، وساعدَا بعضهما، وتمت مراسم الزواج في مَودةٍ وحب بلا تكاليف باهظة، وعاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات.

التعليقات