لعنة الديمقراطية

لعنة الديمقراطية

 

كانت تستهويني صحبة مدرسي الثانوية أيام كنت طالبا؛ فإنهم مكسب مؤكد بما لهم من سطوة وكلمة مسموعة وعلم، وكان شأني عند بعضهم عظيما كما كان عند بعضهم وضيعا، وغدا ذلك شيئا يوفر علي الكثير من الجهد الذي يبذله غيري، فأنا لست مثلهم؛ فلا مذاكرة ولا تطبيقات ولا أعباء تضج منها العقول!...

انتخبت رئيس نشاط الفنون، ونائب رئيس اتحاد طلاب المعهد، وأنا بالصف الثالث، حيث كنا مغترين بثورة يناير؛ فأقمنا انتخاباتنا وفزت بهذه وتلك بالاقتراع الحر المباشر، على حد تعبير الأخصائي الاجتماعي!.

في يوم دعت لي أمي في صباحه بالفتح والفرج وحب الناس ذهبت إلى المعهد فتلقاني الأخصائي الاجتماعي بهدية لا قبل لي بها، إذ إنه أعطاني مفتاح مكتبه؛ كنوع من مكافأتي على جهدي في كتابة لوحات إرشادية للطلاب بروعة الديمقراطية ونذالة الوساطة وخطورة التحرش!، وحتى أستطيع إتمام ما ابتدأته من لوحات إرشادية في أي وقت شئت؛ فمفتاح غرفة مكتبه بجيبي!.. في تلك الساعة علمت أن ليس علي رقيبا من البشر، فصعدت إلى غرفة المكتب فوجدتها ذات موقع استراتيجي متميز لو علم به طلاب المعهد لألقوا بأنفسهم في التهلكة لأجل طلة من نافذتها المقابلة لمدرج كلية التجارة للبنات الملتصقة بالمعهد كتوأم!.. لا بد أن أمي كانت مخلصة في دعوتها الصباحية إلى أقصى حد؛ محاباة لي على إحضار فول الإفطار من المطعم القريب لمنزلنا!.. أخذت مفتاح المكتب كمن حظي بمتاح كنز مكنون ظل ينقب عنه سنين عددا!.. أعلمت صديقين لي بما جرى فتلألأ وجهاهما كما لو بشرا أنهما من عتقاء النار!.. بقينا على عهدنا الذي أبرمناه على أنفسنا؛ أن نصعد إلى مكتب المشرف كل يوم متحرشين _لفظيا_ بطالبات الكلية ما شاء الله لنا ثم نرجع!.. فمنهن من تبتسم برضا، ومنهن من تتذمر بضيق وقرف، ومنهن من تتولى بوجهها ذي حب الشباب، ومنهن من تستجيب بغمزة من عينها اليمنى، ومنهن من تضع يدها على فمها في ذهول، ومنهن من لم تأبه أصلا لأفعالنا الصبيانية التي لا تسمن ولا تغني!.. غير إننا كنا متحرشين فاشلين؛ فلم نخرج في مرة برقم محمول أو بحساب على "فيس بوك" أو بإيميل على "ياهو"!، ولكننا صبرنا ورضينا برزقنا الفقير!.

كان سرنا هادئا وفضيحتنا محفوظة بيننا، حتى جاء يوم جن فيه جنون أحدنا فارتفعت درجة حرارة تحرشه بشكل مخيف مما دعاه أن يجلب حصى صغيرا وكبيرا ومتوسطا قاذفا به البنات المقابلات لنا في المدرج بصورة ناقمة كما لو ظن فجأة أنه في الأراضي المقدسة مؤيا فريضة الحج وقد أتى دور شعيرة الرجم!، أو أنه فعلها هكذا احتسابا لأنه لا يستطيع زادا ولا راحلة!.. وفي الجهة الأخرى؛ قد أصاب الطالبات ذعر مما اضطر الأستاذة المحاضرة أن تنهي قولها!.. أما نحن فهربنا قبل تعرفهن على أشكالنا ووجوهنا!.

بعدها علمنا أن عميد الكلية قد أرسل رسله إلى شيخ المعهد ينذره بأن طلابه يفعلون ما لا يجوز لطالب أزهري أن يقترف ذرة منه!، وكان رد شيخ المعهد أن طلابه قططا مغمضة العيون لا يمكن أن يفعلوا ذلك؛ فهم علماء المستقبل!.

المهم أنه لم يصبنا سوء جراء ذلك!، بل أصاب طلاب المعهد كله السوء؛ حيث أُصدر فرمان بغلق كل النوافذ المطلة على كلية البنات غلقا نهائيا بما لا يُمَكّن أحد أن ينظرهن أو يسمعهن أو يتحرش!.. بعدها أعدت مفتاح غرفة المكتب لصاحبها؛ إذ لم يعد منها فائدة بعد غلق نافذة الأمل!.

الحقيقة أننا قد أسفنا أسفا شديدا.. ولكنها الديمقراطية ما أوصلتنا لذلك المكان!.

التعليقات