المرأة ليست مخلوقًا رقيقًا بريئًا

المرأة ليست مخلوقًا رقيقًا بريئًا

 

الصورة الموجوة -لا أريد أن أقول النمطية بقدر ما هي الحقيقية- للمرأة هي الكائن الرقيق البريء، ذلك المخلوق الجميل الجذاب، النصف الثاني للحياة وهو ما لا يمكن أن يعتبر مديحا بأكثر من كونه واقعا على الأرض.

فإن كانت المرأة تشكل نصف الوجود فالرجل يشكل النصف الثاني له، لا شيء مميز في هذه الجملة البغيضة التي لا تنفث سوى الضعف الذي تحيط المرأة نفسها به دون حياء أو خجل، فالكمال هو غاية هذا الكون، وإن كانت الدائرة لا تكتمل إلا بنصفين إذن فالخلق لا يكتمل إلا بنصفين، لا شيء مهم وخطر وفخم في هذه العبارة، إذ يحق للرجل أن يقول بكل ثقة نحن نشكل نصف المجتمع، ما الذي قد يمنعه؟، ولا حتى سبب واحد يمكن تقديمه إجابة لهذا السؤال، وما هو أسوء من تلك العبارة هي تكملتها الروتينية، هي نصف المجتمع وتلد النصف الآخر، فقط دعوني أقدم معلومة مهمة، إنها لا تلد النصف الآخر إلا بالاشتراك والتعاون مع النصف الآخر، وهنا العبرة التي يتوجب على المرأة أن تتعلمها ولو لمرة واحدة في حياتها، إنتِ قطعة ثانية وضعت إلى جانب الأولى لاستكمال دائرة الخلق، وهذا ليس سوى المجرى الطبيعي الذي أراده الخالق يوم أوجد الجنسين.

المرأة مستضعفة، مستهانة، منتهكة، مستهلكة، كل هذه العبارات يتابع قولها يوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة، شعارات للمؤسسات النسوية حول العالم، وأعلام تلوح بها النساء في كل مكان، لن أنكر أنها حقيقة موجودة ولكن حبا بالسماء هلا توقفنا عن استعمالها كغطاء لكل فشل وكل هزيمة وكل جريمة وكل سقطة وكل وقعة، إن كانت المرأة تريد أن تحصل على ما هو لها فما عليها أن تفعله هو أن تقف لتقول أريد ذلك، أن تقوله بنبرة آمرة لا مستجدية، فما نحن بارعات فيه هو أن نقف لنستجدي ونستعطف ما هو لنا، إننا نشحذه بكلمات أكثر وطأة على القلب والعقل، ما تفعله المرأة هنا أن تطالب بحق هو مكفول لها، إنها تخرج لتقول نريد حقوقنا في التعليم والعمل والمساواة، بل وتضحك فرحة عندما يخرج معها الرجال ليقولوا أجل نريد للنساء حقوقها في العمل والتعليم والمساواة، ولكن لحظة واحدة!، من قال أن هؤلاء لا يعلمون أن تلك الحقوق لها موجودة لها منذ خلق البشرية، الحقول لا تطالب بل تنتزع انتزاعا، حقكِ في العمل والتعليم والمساواة وإلى ما لا نهاية له من تلك اللائحة الطويلة التي لا شاطئ لها هو حقكِ، ليس لأن أحدا قد من عليكِ به وقدمه لكِ، بل لأنه موجود لك بصفتك النصف الثاني من الدائرة، فكما للنصف الأول الحق في العمل والتعليم والمساواة فللنصف الثاني الحق في العمل والتعليم والمساواة، هكذا يسير المجرى الطبيعي للأمور، لذا ألا يمكن للحظة أن تتوقف المؤسسات النسوية عن التحدث بلغة الضعف، أن تنطق بنبرة الاستجداء، أن تنادي بكلمات التضرع، ألم يحن الوقت لها لتقف آخذة لا مطالبة، فهي لا يجب تطالب النصف الثاني أن يمن عليها بما لها، بل علهيا أن تنهض وتتقدم وتسير لتأخذ ما لها بيد من حديد رضي الآخر أم لم يرضى، فالدائرة نصفين وليست نصف واحد، إن كسر أحد أنصافها لن تبقى دائرة.

ولكن ما الحقيقة؟، الحقيقة هي أن المرأة تضع نفسها من تلقاء نفسها في دائرة الضعيفة المنتهكة حقوقها والمظومة صاحبة التاريخ المحزن المبكي، ولا يتوقف الأمر أن ترسم تلك الهالة حولها بل إنها تغرق نفسها فيها متشربة إياها ومتنشقة رائحتها النتنة إلى أصغر خلية في رئتيها، ويغدو الأمر مع نهاية الطريق جزء من كيانها، فهي غير قادرة على العيش إلا بتلك الصورة، إنها لا تطالب بحقها لأنها ضعيفة، ولا تتكلم لأنها مظلومة، ولا تفعل ما ترغبه وتهواه لأن قرارها ليس بيدها، ولأنها ليست سيدة نفسها، وتعيش ذلك الدور لاعنة الحظ وناقمة على الدنيا الظالمة التي لا تنثر عدالتها في الأرجاء، وبعد هذا بكل بجاجة تأتي لتطالب بالحق في الكرامة والمساواة والحياة!، بحق الجحيم كيف يمكن لمرء أن يطالب بحق تخلى عنه وألقى بها خلف ظهره، كيف يستطيع شخص أن يرغب بشيء رماه بعيدا؟، كيف له الجرءة أن ينادي بما أسقطه وتخلى عنه، فالساقط لا يعود، وإن كان القانون لا يحمي المغلفين، فالأولى به ألا يحمي المتخاذلين، لا يمكن لعقل أن يتقبل حقيقة أن امرأة عاجزة عن اتخاذ قرار بالانفصال عن زوجها يسوموها سوء العذاب ساعة بعد سعاة لأنها فقط لا تستطيع أن تتركه مقنعة نفسها بأنها ضعيفة لا تستطيع الوقوف أمام المجتمع ومؤكدة لذاتها ثانية تلو ثانية أن مكانها في الأصل أن تعيش ذليلة صاغرة، ففي أي شريعة يمكن لشخص كهذا أن يطالب بالحق؟ أكان رجلا أم كان امرأة، فليست المرأة سوى نصف دائرة والنصف الثاني ما زال قائما، لأنه إن تخلى نصف عن حقه في التواجد هناك فسينهار دون أن يلتفت النصف الثاني له ممسكا به.

أما تكملة الصورة الموجودة فهي أن المرأة وضعت ذاتها في زاوية واحدة منها، زاوية المنزل والمطبخ والمربية وفقط، دعيني أقدم نصيحة واحدة، هذا ليس دور المرأة بل هذا ما صنعته المرأة لنفسها عبر السنين، وهنا تلعب لعبة ماهرة، أنتِ تريدين المطالبة بالحقوق إذن ستحصلين على حمل مضاعف عندما تجميعنها مع دورك الحالي، ولكن توقفوا هنا لحظة واحدة، من قال أن ذلك هو دورها، إن كانت المرأة تريد أن تستعيد ما هو لها فعليها أن تخلع عنها عباءة الأم الحنون وربة المنزل البارعة والزوجة الجميلة، فطالما ما زالت متمسكة بهذه الحقيقة البالية التي جدت نفسها فيها لن تخرج بأي شيء، لماذا؟ لأن النصف الآخر من لدائرة يلعب الدور ذاته، فهو الأب الحنون ورب المنزل البارع والزوج الجميل، إن لم تزل المرأة الخرافات التي ابتدعها المجتمع من حولها فلن تنتهي سوى في الزاوية الضيقة من الدائرة، عند هذه النقطة سيخرج لكِ الكثيرين صارخين أن الأديان تعتبر هذه الكلمات انحلالا وكفرا والحادً، أوقفيهم عند ذلك عزيزتي، فالأديان عندما قدمت أتت لتعايش واقعا كان البشر يعيشونه قبلها، وقد أتت لتنظم ذلك الواقع، فقبل أن يأتي الاسلام كانت المرأة تباع كعبدة، وإن جاء ليقول مرة واحدة المرأة هي كالرجل في كل شيء لماتت تلك الرسالة في مهدها، ولها أتى محاولا التخفيف من حدة الانحراف الذي كان قد بلغ بالدائرة إلى أسود مواقعها وأسوئها، وبما أن الأديان جاءت لترفع قدر البشر والخلق وتكرمهم إذن فهنا يبدأ الكلام والحديث، لا تنظرِ إلى التفاسير المتحجرة التي يقولها رجال الدين، بل شغلي عقلكِ أنتِ وابحثي لتجدي أن المساواة والحق والكرامة هما أساسا الأديان لا السيطرة والتحكم والعبودية.

ولا تتوقف تلك الصورة الموجودة عند قسم الضعف والمهانة بل إنه يتجاوزه لصورة أخرى تضع المرأة نفسها فيها، فهي عاشقة مولهة بحب ذاتها واضعة إياها بمنتصف العالم الذي لا يدور إلا لأجلها ولا ينظر لسواها، صباح الخير لكن جميعا ولكنكن لستن محور العالم، فالعالم لا يتوقف عند أحد، لا رجل ولا امرأة، لا حي ولا جامد، لا بحر ولا يابسة، لا شيء يمكنه أن يشكل محور هذا العالم، فلا شيء يستحق أن يكون في منتصف هذا العالم، لذا عندما يتحدث الآخرون عنكِ فهم لا يفعلون ذلك لأنك محور الكون، بل لإنكِ مجرد شخصية في كتاب الحياة، لا أهمية لها بين مليارات البشر الذين يعيشون هنا وهناك، فحتى العظام والعظيمات قد لا يشكلون في زاوية واحدة من العالم قيمة أكثر من كأس ماء، بل إن كأس الماء قد يتجاوز قيمتهم بكثير، لذا فالأفضل للمرأة تحديدا أن تتوقف عن معاملة نفسها كنقطة المركز للدائرة، ففي النهاية هي ليست المركز، ولن تكون المركز، بل هي مجرد نقطة سوداء من مليارات غيرها في دائرة كبرى لا ترى أحد فيها أفضل من غيره.

التعليقات