المرأة بين الصورة الملونة والأبيض والأسود

المرأة بين الصورة الملونة والأبيض والأسود

 

الصورة التي تطالعنا فيها المرأة في النصوص الأدبية المصورة ء سواء بأعمال تلفزيونية أو سينمائية...بعيدة جدا عن الواقع الذي تعيشه المرأة ، واقع المعاناة والسعي من اجل الرزق، وواقع العنوسة الذي ترتفع نسبه يوما بعد يوم وواقع الصورة السلبية للمرأة في الشارع العربي باعتبارها مومس أو إغراء أو صورة ملونة تحث على التحرش والاغتصاب...لكن صورتها  قريبة من  أراء الكثيرين من الكتاب رغم أنها واقعية :"أن المرأة  والمرأة الكاتبة أكثر ميلا إلى الكتابة الإباحية، والتي تتضمن الإفصاح عن المغيّب من الحقائق، والتي لم ترقَ لتكون حقائق في الفكر والعلم والإنتاج، و إنما قصفت أعناقها لتكون مجرد حقائق سريرية..."

هذا الواقع الغير متوازن بين الصورة الملونة والواقع بالأبيض والأسود يجعلنا ربما نرفض ونرفض بشراسة إن تكون أول ما تكتبه المرأة الكاتبة أو تريده المرأة هو الحرية ...الحرية دون قيود والتي توجد فوضى مجتمعية.

ولكننا لن نجني شيئا لكثرة الإثباتات التي نشرت على صفحات كتب، وروايات، وغيرها من تلك الكتابات التي خطتها المرأة على امتداد البسيطة، والتي على ما يبدو قد أعلنت فيها صراحة انتهاء عصور الانغلاق إلى بداية عصور ثورتها على الجنس، باعتباره القيد الأكثر عنفا من وجهة نظرها... وبذلك اعتبر الأدب الذي يعنى بقلم المرأة: قلما أنثويا... وأدبا أنثويا بعيدا عن ذلك الأدب الأوسع نطاقا والأكثر فكرا وبحثا وتعمقا ونثرا لإحداثيات التغيير، التي وجب أن تحمل نوعا أدبيا تحت مسمى الأدب النسائي أو الأدب النسوي ...

إن ما اختزله الأدب الأنثوي حتى وقت قريب، وما يمكن اعتباره إفصاحا صريحا عن علاقات حميمية أو علاقات شاذة أو علاقات القاصرات اللاهثات وراء أحلام مشبوهة... ضمن فكر محدود لم يخرج عن نطاق العلاقة وإن تعددت مفاهيمها مع الرجل، سواء بالشاذة أو السلبية أو الايجابية لأنها مهما تكن هي علاقة مشوهة لم تحمل سوى رسالة واحدة: أن المرأة تريد أن تتحرر من القيود وأن القيد الأهم من وجهة نظرها: الصحوة من كابوس اسمه الرجل... ومحدد بشخصه المادي والمعنوي مهما تعددت أدواره أو اختلفت...

 ولكن هل القيد المثبت فيه الرجل هو الذي يعيق حرية المرأة، ويوقف نشاطها الإيجابي في بناء المجتمعات؟!

 أم أنه قد اختلط على المرأة الاختلاف بين مفهومي الحرية والتحرر رغم أن أحدهما يؤدي إلى الآخر؟!

 أعجبني فكر أحد الباحثين: أن لا مانع من ممارسة التحرر ضمن حدود الحرية... إذ لا يوجد لما يسمى بالحرية المطلقة...

 فللحرية شروط أولها: احترام البيئة المجتمعية، والمحافظة على ضوابطها مع التحرر في كيفية البناء، وخدمة المجتمعات...

 إذاً هذا لا يبعدنا كثيرا عن أن مفهوم الإباحية الجنسية في النص الأدبي لم تختلف بين الرجل والمرأة، التي وحسب رأيي لم تختلف كثيرا بين كثير من الكاتبات والكتاب الروائيين الذين كان خط سيرهم في الخط الأحمر والذي أورد الحياة بأدق التفاصيل، بل وأسهب في تفاصيل، ومسميات محظورة، كان القارئ أحوج ما يكون إلى تعلم كيفية الخروج من مأزقها... بدل أن يعلق في عنق الزجاجة من تفاصيل فاضحة ومؤذية لصورة كليهما في الدور المجتمعي، ناهيك عن كونها مثيرة وهذه الإثارة بحد ذاتها لا تجعلها تبتعد كثيرا عن كونها فناً رخيصا حتى وإن كان يخدم قضية...بل سيؤدي إلى قضية أخلاقية لن يستطيع المجتمع القضاء عليها أو تجاوزها بهذه البساطة...

 فالقضية الجدلية في إحياء الموتى وإنبات الظلال وهيكلة الجثث والعلاقات المحرمة مجتمعيا قبل الديني ناهيك عن التفنن في الجريمة والانتقام دون أن يخرج النص بطريقة علاج ينتفع منها المجتمع  فتبقى آلية العرض دون المستوى الأدبي المأمول...

 فإن كان الجنس هو مطلب الحرية... فجميع الكائنات تشترك فيه وبعلاقة صريحة مكشوفة رغم أنها صيغة غريزية فيها لحفظ النسل بالنسبة إليها، غير أنها لا ترقى لمستوى الحضارية  التي تحترم إنسانية العلاقات، وضوابطها الشرعية وإنسانية الرسالة بالنسبة للبشر...

 فإن كان لنا الحرية في الحديث عن مشاكلنا كنساء، فهذا لا يعطينا الحرية بكشف المستور منها ولا يمكن اعتبارها قضية إن لم تكن ضمن ضوابط أدبية تحترم القارئ أولا والمجتمع ثانيا وتحافظ على مفهوم البناء لا الهدم، وتنشط الفكر الإيجابي لا الفكر المتطرف السلبي في بناء العلاقة بين الرجل والمرأة...

 ولعلني أعرج إلى مفهوم المساواة والحرية التي تطالب فيها المرأة، ولا أجدها تبتعد عن أماكن صنع القرار، والمراكز العليا في الدولة، إن كان هذا صحيحا فإن البحث عن مسوغات للمطالبة بهذه المساواة لا أساس لها... إذ أن المساواة التي تبحث عنها الكثيرات لا أجدني كامرأة كان منبتها في الريف بعيدة عن مشاهد المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة لم يقرؤوها في الكتب أو يختبروها في الروايات... من تقاسم منصف للأدوار واحترام كامل للسيادة التي يحكمها الرجل خارج البيت وتحكمها المرأة داخله....بل وتشاركه المرأة في كثير من مشاهد الحياة جنبا إلى جنب...من بروتوكول إنساني والذي لم يتجاوز فيه أحدهما الآخر، وكانت حياة الألفة والود هي المنظر العام في القرية الريفية...

 ولعل حياة المدينة هي التي أوجدت ذلك الخلاف، والذي ربما كان أساسه المادي عنوانا لهذه الأزمة السلوكية... إذ اعتبرت المرأة أن ما تملكه من مال من ميراث أو وظيفة حقا شرعيا لها وهذه حقيقة ليست خلافية، ولكن الخلاف الفعلي يكمن بانفصالها هي طواعية عن مشاركة الرجل أعباء الحياة المادية في المدينة، وتأمين أبسط ضروريات الحياة من مأكل، ومسكن ومشرب، بل وتشكل عبأ سلبيا عليه أحيانا، بمطالبتها بالعيش في رغد الحياة، وهي تعلم كل العلم أن هذا الزوج لا يملك سوى ما يحصله من عمله من راتب زهيد.

 إن القضية المحورية التي أجدني أمامها هي إنكار الزوجة حضورها في مناصفة أعباء الحياة واكتفائها بالحصول على النسبة الأكبر من السعادة... إن القضية الفعلية التي يجب أن تطرح في الأدب النسوي هي تصحيح وضع المرأة لتكون صاحبة رسالة، وإن آمنت بالفعل بهذه الحقيقة فكل ما يندرج بعيدا عنها هو مجرد مشاكل بسيطة يمكن احتوائها، ومعالجتها.

الحقيقة التي لا يمكن الاختلاف عليها أن استقامة آي علاقة في أي منظومة قيمية أو مجتمعية أو فردية أو تنظيمية يجب أن تكون أسسها واضحة، وهي في بيان صريح للحقوق والواجبات...

غير أننا يمكن أن نعزي سعي المرأة الدائم لمفهوم التحرر وهو لفشل الأسر العربية وذلك لسيطرة الأب وتعنته في القرار... قرار تزويج البنت على سبيل المثال دون أخذ رأيها وهو خروج في البداية عن النص الديني...بفرض نص دنيوي بديل واستمرار عصور الجاهلية، وهو الخوف على سمعته وشرفه فيلجأ إلى وأدها منذ الولادة ليس تحت التراب إنما في بيت يحكمه طاعن في السن أو قريب حامل لجين مرضي يتسبب بإنجاب جيل يحمل الأمراض...والذي يتبعه من عدم منحها الخيار في التعلم أو العمل في مراحل حياتها المتعددة... وما يدعم هذه النظرية من تأييد مجتمعي جاهل، وبخاصة المجتمع النسائي لقضية حرمان البنت، إذ أن المرأة بطبيعتها لا تحب المرأة وهي أكثر ميلا للذكورية وللرجل... وهذا بحد ذاته يضعف دور الأم التي لم تجد نفسها في أي موضع من المسألة التربوية ضمن المنظومة الأسرية برمتها، وهذا الأمر لا يتعدى كونه موروثا جاهليا...اتهم به الإسلام إجحافا وذلك لعدم الفهم الصحيح للمفهوم الإسلامي لحرية المرأة، وهي الحرية التي منحتها تحررا أيضا في البناء والأعمار والانجاز ولم يقيدها بآي شكل من الأشكال الممنوحة لها ضمن ضوابط المجتمع الإسلامي، وهذا الأمر بعيد كل البعد عما يخلط به الجهلاء بالدين الذين يميلون غلى التشبث بالرتوش دون الفهم العميق للمقصد التشريعي..وبما أنني هنا لست باحثة في هذا الأمر...وأتركه للجادين في العمل الإصلاحي وفق منهج توافقي يجمع بين النص والتطبيق...ما يعنيني هنا هو تلك الصورة التي يعززها النص الأدبي من استنساخ لمفهوم طاعة الزوجة لزوجها بكافة الصور ومن أبرزها العنف الجنسي، والعنف الجسدي والمرض النفسي للزوج وعدم قدرة المرأة على معالجة أوضاعها، وتصويبها وهذا التصويب لم يكن سوى بمحلولة القتل أو الهروب أو الصراخ أو الاستسلام والخنوع للعنف والهروب والتلويح بالانفصال ثم الطلاق...

 معظم الطرق العلاجية التي طرحتها النصوص الأدبية لم تخرج عن دور الضحية ودور المغلوب على أمره...والذي يتطور لعلاقات زوجية هشة تروج لمفهوم الخيانة...

وهذا كله يوجد تلك الصورة المشوهة سواء للمرأة ونظرتها لنفسها و نظرة المجتمع إليها أو في علاقاتها وصور بنائها المختلفة ...

نحن أحوج لنص أدبي قوي قادر على طرح القضية والمساهمة في حلها وعدم التلويح بأزماتها فقط...

التعليقات