الحب ليس في الآخر‎

الحب ليس في الآخر‎

بالإمكان إيجاد الحل بسهولة ، اذا كان غطاء سريرك لازال مُرتباً ، وأسنانك نظيفة ، وسجائرك لم تنفذ بعد .. عندها ستجد معظم الحلول ان لم تكن كلها ؛

اصطدمت الفتاة برجال كثيرين طوال رحلتها ، على كل لون وشاكلة ، على كل دين ودنيا ، تخلت عن قوتها خلالهم مرة او مرتين على الأكثر ، دفعت بشعرها إلى الوراء عشرين مرة ، في كل مرة تفعل ذلك كانت تخطط لفعل شئ ما، كانت تسير وسط حدائق صفصافهم وزيتونهم ، وهي تحمل قلبها على يديها الصغيريتين ، تحمل قلبها وأنفها وفمها وشَعرها في حقيبة بلاستيكية سوداء ، تتجول وسط أجسادهم بجسدها الصغير حتى تكاد تنغمس في روائحهم ، على أمل ان تقايض أنف ببيت ، ضفيرة بأرجوحة خشبية في فناء منزل قديم ، ربما لانها لم تدري هوّيتها بعد ، ربما لأنها مغرورة بعض الشئ ، فلا تنام وزينتها في درج إمرأة اخرى !

الرجال جميعهم كُسالى ، لايقترفون الأخطاء إلا تعبيراً عن كسلهم ومللهم ، لاتوحي أشكالهم بأي مصدر من مصادر الطاقة ، ولا يضيئهم النهار العذب ، ومرة اخرى يقرّون بتصريحات لائمة ولاذعة لتقييم مدى كفاءة الأنثى المُضجعة بجانبهم ، ومع انه قد يشعر بالحماس تجاهها بعد أول قُبلة او عناق محموم ، إلا انه بمرور الدقائق ، يتذكر انها كمنظف الزجاج ، تنظف ماستأتي الرياح تخربه بعد هنيهات قليلة ،فلما العناء ؟

-مات مرحوم أو مجحوم ؟

على الأحرى توفي اثر جلطة دماغية نتيجة الإفراط في عشاؤه ، ذلك العشاء الذي لم يعرف انه مسموم إلا بعد ان قضى عليه ، عندما شرع السم في التسرب إلى خلاياه وتلافيفة التافهة ، شعر انه هادئ نوعاً ما، وكأنه يحاول ان يتذكر أول ذكرى له مع أمه وهي ترضعه ، او ذلك الهوس الذي ينتابه حين يمارس الجنس مع عاهرات الملهى الذي يرتاده من حين لأخر ، أحسّ انه بحاجة الى رفاقه في هذة اللحظة ، يثرثرون ويضحكون ويتكلمون عن نسائهم وبطولاتهم ، اعتقد في صميم اعماقه ان لامفر من مايحدث حالياً ، فهو يحتضر ، يموت على مائدة طعامة النحاسية التى أبتاعها من ذلك البائع البدين ولم يناقش في ثمنها البتة ، ياللعار ، لافائدة من غضبه من نفسه الان ، رعونته وضعفه هما من رميا به إلى هذه الموتة التافهة ، وأي أضغاث أفكار مزورة مرفقه بتقطيع في أحشائه وتمزق رئتيه وكبده وحجابه الحاجز ، لن تفيده بل ستسرع في انتهائه اللطيف .

اشترت الفتاة فراشة جبلية جناحيها تختلط فيهما ستة ألوان أبرزهما الأزرق والأصفر ، قامت بوضعها في قنينة زجاجية مربعة الهيئة ، وجلست أمامها تشاهدها من خلف الزجاج ، تشاهدها وتشاهدها وتشاهدها ، تتركها حيناً وتتمرن على رقصتها ، أو ترتدي فستاناً وتعاين جسدها فيه امام المرآه ، تطرح في الشرفة أسئلة غبية عن حياتها غير مثيرة الأهتمام ، تهدأ الضجة من حولها ، تغلق المدفأة واللوحات والكتب ، وتتجه مرة اخرى إلى فراشتها الحبيسة لتشاهدها وهي تصطدم في الزجاج كلما حاولت الطيران او الحديث ..

كانا صامتين لا يحركان ساكناً ، فأتاح ذلك للفراشة ان تتخيل ماتشاء ، تخيلت مرحلة متقدمة من النشوة ، ترتدي نفس الفستان ، تقف امام نفس المرآه ، تلبس عناقيد لؤلؤ ،وحبات كرز صغيرة حول خصرها النحيف وتتمايل مع أنغام اصطكاك الأشجار مع النافذة ..

تعود مرة أخرى هي واحلامها الي قنينتها المربعة ، تنزوي في زاوية تسعينية باردة ، والفتاة امامها تفكر في استعادة شئ فقدته ولم تعد تذكره ، حتى انها لم تعد تذكر ان الفراشة ماتت بعد يومين .

- كينكاس مات بالحكاية ، وعاد إلى الحياة بالحكاية ، ثم أسلمته الحكاية الى الموت . 

انني هنا ، ايّها الناس ، أسمعوني سأقص عليكم حكايتي ، سأسرد إلى الصباح حكاياتي ، سأنقشها على جدران بيوتكم ،على ملابسكم ورؤوسكم .. سأحكي كل شئ على شكل مقطوعة ليست مُنجزة ، لن أتحول معكم من الثقيل إلى الخفيف ، فكل ماأحمله ثقيل .. ثقيل للغاية

انا هنا ، الرجل والمرأة في جسد واحد ، أحمل على ظهري كل المخلوقات السماوية ، وحفنة من الورق الأصفر ، وجماجم امهات بكوا حتى احترقوا ، ومفكرات وألات تصوير وتسجيل وطاولات عريضة وكل أنظار العالم، كلما حاولت ان اكثف ذكرى تنعكس علىّ لعنتها ، أناشيدها تصرخ في أذني وتصيبني بالصمم ، وحكاياتي على مدار السنوات لم تكن إلا تكثيفاً للوقت ، وقت على وشك ان يتلاشى في البعيد ، ويتحول كل شئ معه إلى معزوفة موسيقية حمقاء لاتترسخ في ذهنك بعد سماعها..واصبح الحال لازمة ، لازمة تتكرر دائماً وابداً لن تقوى معها على اكتشاف اي شئ ، حتى لو مدينة ساحرة او مسرحية واقعية تجعلك تبكي وتضحك .

الحقيقة انني لن استطيع شراء تذكرة أخرى ، ولن استطيع إرجاعها ، ولا أقوى على صعود سلّم الطائرة ، ولا نزوله .. واليوم المتفق عليه على وشك الانتهاء ، دون ان التقط بعض الصور ، أو اتباهى كما فعلت ماريا حين وصلت الى المدينة ، أو اتسوق في الدكاكين واتسكع في البارات ، أو احتفظ حتى بالمشهد الأخير ..

انا حبيسة لذلك المطار المخيف ، رحلتي القصيرة لم تنتهي بعد ، مضطرة ان انكث بوعود كثيرة ، وان أُعلّم الأشياء أسرار جسدي ، وأطلب المغفرة من الله ، ربما حينها اتمكن من أمارس الحياة من جديد بتشنج أقل ورغبة أكبر .

التعليقات