أرواح من البلاستيك

أرواح من البلاستيك
 
كنت صغيرة جدًا حين استشاط أبي غضبًا عندما وجدني أستمع بإنصات تام لشكوى أحد معارفنا الذي يكبرني بسنوات، والذي تنحى بي جانبًا بعيدًا عن الجميع وجلس يقص علي قصة معاناته مع إحدى معجباته التي تطارده ولا يمكنه الفكاك منها لأنها بكل بساطة زوجة مديره، وعلى الرغم من أن أبي لم يسألني عن فحوى ما كان يقصه علي حينها هذا الشخص ولم يوبخني أيضًا بعد رحيل الضيف، إلا أنني كنت أعرف وجه أبي حين يمتعض وما الذي كان يريد قوله دون بوح.. وكأنه - بخبرته التي كنت أعشقها- فهم من براءة ملامحي أن هذا الحديث أكبر بكثير من استيعابي حينها، وقتها لم يجل بخاطري أنني سأعاني يومًا من تلك العادة ذو الحدين وهي عادة الإنصات المفرط للآخرين.
 
في المدرسة.. ساعة الفسحة كانت كل فتيات الفصل يجتمعن ساعة دق الجرس حول (نادرة) تلك الفتاة الهادئة، إذ تحاول كل واحدة منهن أن تستأثر بها لترافقها الدقائق القادمة من الفسحة، كنت أتاملهن في صمت لأعرف ما الذي يجذبهن إليها ليحرصن كل هذا الحرص على نيل الرضا!! بل واستطعت الفوز بصحبتها في إحدى الفسح بمفردي لعلي أصل للكنز المخبوء لكنني لم أجده، لم أفلح في معرفة ذلك السر إلى الآن، فكل ما كان يعجبني في (نادرة) هو خطها المنمق الراقي ولهذا كنت اختلس النظر إليه من حين لآخر وأقوم بتقليده في رحلتي الدائمة لتحسين خطي العربي.
 
لا أذكر إن كنت جادة يوم أن تمنيت أن أحظى بهذا الاهتمام بينهن لأعيش مشاعر (نادرة) في تلك اللحظة التي يتشاكسن من أجل موافقتها لمرافقتهن، لكن ما عرفته بعدها أنني حين حظيت بهذا الاهتمام لم يسعدني كثيرًا، إذ سريعًا ما شعرت بالاختناق وتمنيت لو اقتصر حديثي على المقربات مني دون أن تلمحنا الأخريات، فكثرة العلاقات تقتص من حريتنا بنفس حجم الاهتمام الذي يُمنح لنا، بل ويحتاج لمقابل يتساوى معه في المقدار أو يزيد أحيانًا أخرى.
 
في القصة الأولى كانت فكرة أن تمنح الآخرون اهتمامك وتنصت إليهم وفي الآخرى أن يمنحك الآخرون اهتمامهم ويؤثروك على غيرك.
 
الاهتمام في كلا الحالتين سجن كبير... ففي حالة أن تقبل بفكرة الإنصات لكل عابري السبيل الذين يعبرون ذات الممر الذي تعبره، فأنت مكلف بالاستماع لكل ثرثرة عابرة، هامة كانت أو غير ذلك، فمتى استشعر الآخرون اهتمامك فستصبح مرفأ راحتهم، ومنتهى آمالهم، كان ذلك مناسبَا لك أم لم يكن.. وسوف تدور في دائرة مفرغة لا علاقة لها بأولوياتك التي لن يكترث بها أحد.
 
تخفيف أحمال الغير عمل نبيل، نقدم عليه عن طيب خاطر، نتمنى لو نجحنا في إسداء النصيحة الأمثل، وتوضيح المبهم من مشهد نراه جيدًا لأننا خارج إطار الصورة ونحكم عليه بحيادية لكوننا لسنا أطرافًا فيه.
 
لكنه عمل جليل يتطلب منك وضوحًا وحسمًا، توضح فيه المتاح الذي يمكنك أن تمنحه للآخرين من وقتك لتستمع إليهم وتقدم لهم ما يرجونه من اهتمام ونصيحة، وأنك بشر قد  تحول الكثير من الظروف دون أن تصبح متاحًا لهم  على الدوام متى أرادوا، وأن لك حياة أخرى يجب أن تمنحها بعض اهتمامك إن لم يكن أكثر، وأن لك روح تشعر وتتألم وتتمنى لو انفردت بنفسها لبعض الوقت دون أن تشعر بوخز الضمير لو لم تتمكن من منح اخرين وقتها الإضافي.
 
 فكثرة الأحمال قد تصيبنا بالوهن، وتشوش تفكيرنا، وتفسد نوايانا، وتشوه فطرتنا التي كانت في أبهى صورها حين قررنا مساندة البعض وتخفيف معاناتهم في الحياة إما بالاستماع لهم أو بمنحهم الطاقة الايجابية التي يفتقدونها إنذاك.
 
 فالبعض يفترض أن سعتك التخزينية - لإستقبال شكواه المستمرة- بلا انتهاء،وأنك طالما كنت حنونًا تخفف من وطأة ما يعانيه، فحتمًا أنت سعيد بقدر ما تبديه من ثبات أمامه، لا يجول بخاطره أبدًا أنك تعاني من ضغوط قد تفوق ما يعانيه وتؤثره على نفسك لأنك تكن له الود و الحب وتخفي معاناتك عنه كي لا تزيد مما فيه.
 
البعض يتخيلك بروح من البلاستيك بلا هموم بسبب ابتسامتك التي لا تفارق وجهك، كونك مجامل أو حيي أو مؤمن بأن ما بك لا صلة للآخرين به كي يتحملوه معك، فترفع عن كاهلهم عناء شكواك أو ثرثرتك وتعفيهم من أن يشاركوك ما بك، فينهالون عليك بأعباء لا حصر لها من كل نوع ولما لا طالما أنك لا تبوح بما فيك وليست لديك مهارة صب الشكاوى في آذان كل من مر على بابك أو رن على هاتفك أو أقام في بريدك الالكتروني.

 
إذا كنت تسدي لهم النصيحة فأنت تتمتع بالسكون والدعة فيقذفون إليك بمزيد من أوجاعهم وهمومهم على سبيل التنفيس أو الفضفضة، يفترضون أن الهموم لديك تذوب تدريجيًا من فرط ما تتمتع به من إمكانيات خارقة، لمجرد أنك تستمع إليهم في كل وقت وبدون اعتراض، يعاقبوك على عدم تذمرك، على أنك متاح في كل وقت وأي ساعة، لم تشتكي لهم يومًا من أوجاعك، ولم تتهرب من الاستماع إليهم ولم تصرخ في وجوههم يومًا ما: كفى.

أيها الرفاق الطيبون الحالمون بأننا خارقون، نحن لسنا سوبر مان الخارق في كارتون حياتكم، سعتنا التخزينية نفذت منذ سنوات ربما قبل أن نلتقي بكم، لدينا من الأوجاع ما يفوقكم أحيانًا، لعل ما تبوحون به أتفه بكثير مما نلاقيه ونعاني منه، نحن فقط وددنا أن نكون جسرًا تعبرون عليه من الألم إلى السكينة، لعلنا كنا نهرب مما نشعره بالانصات إليكم، أو نتودد إلى الله بتفريج الكرب من خلالكم، لم نتخيل يوم أن تردوا لنا صنيعنا باستنفاذ طاقتنا وتظنون أننا مصنوعون من البلاستيك أو نخلو من الشعور، فذلك الألم الذي تصدروه لنا أبهت أرواحنا من فرطه.
 
 ألم تفكروا مرة في أننا اكتفينا، أو أن لدينا ما نريد البوح به لمنصت كريم، يزيل ما بنا من حمل ثقيل، أو يبحث لنا عن حل سريع؟
مؤلم أن تكون حصن أمان لأحدهم ولا يمنحك الأمان حين تفتقده، ويزيدك كل يوم بقدر ما يروق له أو يفيض عنه على أساس أنك بلا شعور وتخلو من منغصات الحياة.

يفترض بك هؤلاء أنك مولود بالصدفة بلا أقدار ، وأنك لم تمر بصروف الدهر مثله، أنت خارق للعادة تستمع له بلا تذمر بل وتهديه النصيحة في آخر اللقاء، تدبر له موعدًا للشكوى متى شاء أو أراد، تتفرغ له على الفور متى سمعت رنين هاتفك مذيلًا بإسمه الكريم، تضحك في وجهه وأنت تمسح بمنديلك المعطر دمعاته اللانهائية، تذكره ن الله موجود ويستمع على الدوام لشكواه ويرى ما به ويسمع دعائه، أنت بلا شك خارق للعادة فلماذا لا يتكيء عليك ويزيد، وإلا لماذا لا تتضجر، وتنشغل عنه كالآخرين.

ما تعلمته عبر سنواتي تلك أن الناس لا تفهم غير لغتك المباشرة ولا تحترم سوى عباراتك الحاسمة، ولا تقيم وزنًا سوى للصفعة المؤلمة، لا يقيمون وزنًا لك حين تسمع وتصبر وتمرر وتنسى وتتحمل وتحتوي... يظنونه انحناء منك لذا يمتطونك أكثر. الناس لا تفهم غير لغة القوة وعبارات التبرير المنمقة بعدم التفرغ، يحترمون المشغول عنهم والمدير ظهره لهم، لا يكترثون كثيرًا بالحائط المائل الذي يسكبون على جداره عبراتهم فهم لا ينشغلون بأمره ولا يعنيهم أبدًا البحث عن أسباب كونه مائلًا، على الرغم من أنه لم يميل إلا من فرط ما تحمل وحمل على كاهله من أحزان. 

أيها الرفاق الطيبون حاملي الهم والأوجاع ، أصحاب الآلام الكثيرة والشكاوي اللانهائية نحن بشر لنا مشاكلنا وهمومنا وأتراحنا، وكوننا لا نبوح بما نعاني منه أو نمر به فهذا ليس لأننا نخلو منه ولكن لأنكم لم تسألونا يومًا عن ما نعانيه، لأنكم لا تكترثون ولا يشغلكم أبدًا أن تخففوا أحمالنا، آن الآوان لتفهموا وآن الآوان لنصم آذاننا عن شكواكم...
 
اكتفينا.
 
داليا علي
 
التعليقات