الرقص مع حبوب اللقاح على أنغام البوب

الرقص مع حبوب اللقاح على أنغام البوب

فتح أدهم عينيه وهو مستلقي على ظهره، فرآها، كان هواء الغرفة يحركها ذات اليمين وذات الشمال، حبة لقاح شاردة التصقت بها عينا أدهم، خُيل إليه أنها ترقص على أنغام موسيقى لا يسمعها أحد سواها، ربما هي آتية من زهرة تعشق الفن أو من كون موازي به حبوب لقاح ترقص!

"حمدًا لله على سلامتك"

نظرأدهم لمصدر الصوت فرأى ملاكًا حقيقيًا يرتدي زي التمريض،لا ينقصه سوى نمو جناحين كجناحي ماليفسنتMaleficent.

"أين أنا؟"

"أنت في المستشفى العام التابع للقرية، لقد وجدك العامة بداخل سيارة محطمة وأحضروك إلى هنا"

"وابني؟ الشاب الذي كان معي؟"

أشاحت الممرضة وجهها

"هل..هل..؟"

"لا..اطمئن،أنه حي، ولكنك بحاجة أن تهدأ حتى تستوعب ما سأقوله لك..بعد وصولك المستشفى حدث شىء عجيب بالخارج"

"عجيب؟"

"نعم..تفشى مرض فيروسي أو بكتيري..لا أدري، مرض عجيب أدى لتشوه البشر بالكامل، أجزاء أجسادهم سقطت، لحوم وجوههم سقطت، تشوهت ملامحهم، أدى هذا لانتشار الجنون المطبق، الكل يتقاتل، لسبب ما-لا ندريه-هذه المستشفى معزولة لم يمسها المرض، لذا نحن في حجر صحي اختياري،عندما تم العثورعليك ونقلك كنت بخيرعدا بعض الإصابات الطفيفة بقدمك من جرّاء الحادث، ابنك بخير ولكن عندما عثروا عليكما كان هو قد..تغير، كان قد أصبح منهم، فلم نستطع أخذه"

نظر أدهم إليها ولم يقل شيئًا، وسادت أطول فترة صمت في حياته، وحياتها.

التقط عبده-مُنظِّف الغرف- ريموت التليفزيونمن جانب أدهم و أداره على أحد القنوات، كانت تعرض فيلمًا عربيًا يبدو بريئًا غير أن الممثل لم يلحظ تساقط لحم وجنته! نقل عبده القناة فظهر إعلان ملىء بالارتشاحات الجلدية والقرح على الوجوه، نقلها مجددًا فظهرت مذيعة شائهة الوجه يبدو أنها هي الأخرى لم تلحظ سقوط ذراعها اليسرى، أشاح أدهم بوجهه فقال عبده:"هل ترى؟ جميعهم هكذا بالخارج، لقد تدراكوا الأمر بسرعة لأنه أصاب الكل، واضطروا للعودة إلى وظائفهم والتعايش لحين انجلاء الأزمة، لم يلحظوا التشوه النفسي الجلل الذي أصابهم تمامًا كالتشوه الجسدي، سائق السيارة الأجرة يقتل صاحبها و ينتحر بسبب خلاف على سعر البنزين،أجساد الأطفال تُشق وتُسرق أعضائها وتُغتصب، الرُضّع يُلقون في مقالب القمامة، المراهقات يُجردن من ملابسهن ويُصورن عاريات بسبب قيامهن بإلقاء "بعض القمامة" أمام منزل الجيران".

"ولكن، ابني.."

"كان سيتمنى لو صار مكانك".

استيقظ أدهم مبكرًا في اليوم التاليشاعرًا بالنشاط، قفز من سريره ووضع سماعات الأذن و شغّل أغنية ل"فرانسيس سيناترا" على هاتفه المحمول، اتجه إلى الباب الخلفيوفتحه بحركة سينمائية بكلتا اليدين وهو يدندن "I've got you under my skin"، تنهض دورته الدموية على صوت فرانسيس-الذي يحلو للبعض تسميته فرانك أو صاحب العيون الزرقاءOL' Blue Eyes-ويبدأ في الرقص، كان أدهم يحرك جسده  ذات اليمين و ذات الشمال حتى أنه يبدو لمن يراه كمن يرقص على أنغام موسيقى لا يسمعها إلا هو، يدور ويطرقع بأصبعيه بينما يرقبه حارس المستشفى العجوز كالصقر.

"لقد أنهينا كل المستندات الصحية الخاصة بنقل والدك إلي مستعمرة الجذام بأبي زعبل، اكتشفنا مرضه بالصدفة عندما كان الدكتورعابد يربط قدمه بالشاش ليداوي جرح الحادث  فسقطت أحدى أصابع القدم في يده!اضطررنا لبترها بسبب تلوث القرحة التي كانت بها ببكتيريا الجذام،الجذام مرض لعين حقًا، في مصر حتى نهاية عام 2013 كان يوجد ما يقرب من 37000 حالة، بكتيريا "الفطرية الجذامية" اللعينة، ليس لها أعراض، فقط يكتشف

المريض المسكين إصابته بها حين يفقد الإحساس بوجهه، أو تبدأ أطرافه في التساقط،العلاج كان أصعب بكثير في الماضي، وأضاع كثير من المرضى سنوات أعمارهم بالمستعمرات سواء بأبي زعبل أو بالخانكة أو بمستعمرة عبد القادر بالاسكندرية، أما الآن فقليل من الريفامبسين و الدابسون و الكلوفازمين يعطون مفعول السحر، نسبة الشفاء 100% إذا التزم المريض بالعلاج لمدة عام، أرسِل له بعض المال إن استطعت"

"لماذا؟ أليس العلاج بالمستعمرة على نفقة الدولة؟"

"نعم ولا..الأمر ليس كما تظن، دعني أفشي لك سرًا، يعود عزل المجذومين بتلك المستعمرة لعصر المراسيم الملكية، وتم تخصيص مزرعة للنفقة على المستعمرة بمرسوم ملكي أيضًا، كان البرنامج الرئيسي يهدف إلى تأهيل مرضى الجذام نفسيًا بالإضافة إلى العلاج بسبب ما يسببه مرض الجذام من "وصمة" في مجتمعنا هذا، ما يحدث الآن أن الإدارة تقوم ببيع محصول المزرعة وتوريد إيراداته لصالح الموازنة العامة للدولة، بعد أن كانت توضع سابقًا في بنك التنمية والائتمان الزراعي لحساب المستعمرة للصرف عليها، تخيل مستشفى كاملة مجهزة لاستقبال المصابين ليس بها أي موارد للنفقة عليها عدا العلاج بأجرالذي يدفعه بعض مرضى الشركات، التبرعات تذهب لـ57357 ومعاهد الأورام والجمعيات الخيرية، لا أحد يتبرع لهذا المكان، لا أحد يدري بوجوده من الأساس".

"والخدمة الطبية؟"

"حتى هذه، لا يوجد أطباء مقيمون، الأطباء يمرون مرة كل صباح، و يخطًّون التعليمات على الورق للممرضات لتنفيذها".

طرقات على الباب..لا رد.. يُفتح الباب، الحجرة مظلمة عدا إضاءة ضعيفة قادمة من أحد الحقول القريبة ولكنها كافية لرؤية السلويت العجوز،كان عم محمد الحارس يقف بداخل حجرة أدهم، جلس عند طرف سريره ووضع يده على ساقه ذات القدم المبتورة وقال:"تزورني في أحلامي وأحلامهم كل ليلة، الكل يراك المريض الجديد الأخرس مبتور القدم الذي لا يفارق الفراش، ولكني أعلم أنك فارقته، عندما ظهرت في أحلامنا، أراك كل يوم حين أغمض عيني،ترقص، أعرف أنك تعرف الحقيقة منذ استيقظت بالمستشفى الأخرى بعد الحادث، أعرف أنك رأيتتوقيع ابنك لأوراق تسليمك للمستعمرة فآثرت الصمت، لم تعاتبه حتى بنظرة، رأيت كل ما حدث، في أحلامك أو ربما هي أحلامي".

اعتدل عم محمد في جلسته و أردف" لقد أتيت اليوم لأشكرك، قبل حضورك كنت قد فقدت الأمل في الحياة، كنت سجين المرض، لقد اختارني هذا العمل بعد إصابتي بالمرض و لم أختره، ولكني عندما رأيتك،أدركت أني سليم معافى، كنت تراهم على حقيقتهم الشائهة وترانا على حقيقتنا، لقد حررتني يا أدهم، حررتني أنا ومن معي حين حررت روحك، أنا حُر بفضلك الآن يا أدهم، حُر".

ألقى عم محمد جملته وخرج، لم يتحرك أدهم ولم ينبس ببنت شفة، ولكن بإمكانك -إن أمعنت النظر-أن تلحظ الابتسامة الخفيفة التي لاحت بزاوية فمه.

التعليقات