الباباراتزي

الباباراتزي

 

للشهرة ضريبتها يدفعها من ذهب إليها عامدًا أو من ساقته خُطاه إليها دون عمد أيضًا.. فالشهرة لمن لا يعرف عالم آخر، لا يرحم زواره ولا يرأف بساكنيه.

على بابها تفقد حقك الشخصي في الخصوصية، تصلك كاميراتهم المتطفلة حتى غرفة نومك، وعليك دائمًا أن تستر ذاتك حتى في لحظات خلوتك، كي لا تفزعك فلاشات كاميراتهم المخبأة هنا وهناك في انتظار متعمد لخطأ قد يصدر سهوًا منك.

في دهاليز الشهرة... لا يمنحك المتصيدون حقك الإنساني في الخطأ ولا السهو، بل يحاسبونك على الدوام كأنك معصوم من الزلل، وإلا علقت لك المشانق وتصدرت صفحات جرائدهم، وخُصصت مساحات لك وحدك لنشر كل ما يتعلق بهفواتك.

في بريق أضوائهم الزائفة- لكي يرحموك- يجب أن تخضع لقوانينهم، وأن تظل يقظًا على الدوام، تترقب خطواتك القادمة بكل حذر كي لا تتعثر في محيطهم، تضع المساحيق المشوهة لحقيقتك، ترتدي قناعًا وراء قناع، حتى تتصدر المشهد ويمنحوك وسام الشرف البديل.

في عالمهم الوضيع.. لا يمكنك أن تمارس حقك البشري بتغيير أفكارك أو تصحيحها!! لنضج حل بك أو حقائق جديدة توصلت إليها، فشرائط كاسيتاتهم دائمًا حاضرة، وفي حوزتهم من الماضي ما هو مسجل بصوتك وأنت تُدلي برأيك في موضوع سابق، وغير مسموح الآن أن تُبدل قناعتك بعد هذا التسجيل الأخرق حتى ولو كان للأصوب.

يطالبونك بجمود أفكارك وآرائك وإلا وسموك بالمتحول والمتلون والعميل، لا تخبر أحد أنك تنضج وتتغير فهي تهمة هذه الأيام يا صديقي.

إذا كنت مشهورًا.. فلديك دائمًا من يُعد عليك أنفاسك وهمساتك ونبضات قلبك، ورسائل حبك إلى أمك..ومصروفك الشخصي من أبيك.. ولون عين حبيبتك.. وكم مرة همست لها بحبك.. ولون رابطة عنقك هذا الصباح.. وأين قضيت سهرتك هذا المساء.

وإن اختلفت معهم في قيمهم ومبادئهم التي لا تناسبك، فلا تتعجب حين يظهر لك صديق قديم، ينسبون لك أنك خنته مع حبيبته الأولى، أو اختلسته في جريمة شرف.

لا تجعلهم يسلطون الأضواء عليك، لا تسع لذلك أبدًا، كي لا تخسر ذاتك وحريتك في عالمك الواسع المخلوق من أجلك، والذي ستحرمك الشهرة من براحه المخصص لراحتك.

لا تجعل كاميراتهم تجمد أفكارك فتمتنع عن تطويرها، كن حرَا هنا وهناك، اجلس على أي أريكة تشاء، وامضغ علكتك بحرية، واشرب كوب شايك المثلج بالياسمين، وتسكع في شارعك المفضل واقرأ أي كتاب تشاء، واصرخ في داخلك بكل قوة أنك حر، وليس لأحد في هذا الكون أبدًا حق في أن يسلبك ما تريد اقتناؤه، أو اجبارك على الاعتراف بشيء ليس فيك.

قل للعالم أنك تكره كاميراتهم وشاشاتهم وصفحات جرائدهم، وأنك لا تريد أن يتصدر اسمك صفحاتهم الأولى أو تلتقط صورتك بجانب أحد مشاهيرهم أو تنتهك خصوصيتك، وأنك ترفض أن يتتبع أحدهم انفاسك أو يحصي عباراتك ويبتر طموحك في سراديب مجانين الشهرة.

التعليقات