كلما اقتربنا زال الوهج

كلما اقتربنا زال الوهج
 
عادة ما تبدأ العلاقات الإنسانية على نحو راقٍ ويدعو للتفاؤل، فالبدايات دائمًا ما تكون مبشرة، ولما لا والصفحة بيضاء ولا يوجد ما يعكر الصفو.. ليس هناك ما يسوء في ردهات الذاكرة، كل ما نعرفه عنهم طيب وما نأمله كذلك... وكل المعطيات تدعونا للترحاب بهم في محيط علاقاتنا.
 
لكن كلما اقتربنا منهم وازداد التفاعل اليومي بيننا وبينهم، تتضح أمور وتبرز أخرى، نتفق مرة ونختلف مرات... تبدأ العيوب في الظهور من خلف قناعات التجميل ، كالغضب والتردد، الأنانية والنفور، التجاهل والتطفل، الجهل والتسرع، الغموض والغرور.. الخ
 
تؤلمنا توابع الخلافات، ونضيق بما يمكننا سماعه ورؤيته في تلك المرحلة الحرجة، نكره أن يظهر الوجه الآخر لمن كنا نراه ملاكًا منذ قليل، نتمنى لو أنهم حافظوا على بريقهم في أعيننا، أو أننا تحلينا ببعض اللباقة واللطف في خلافنا معهم.. لكنه المستحيل!! وهل يخلو من العيوب بشر؟؟
 
لكن ما يجب أن نؤمن به مهما كان مزعجًا، أن العلاقات الإنسانية التي لم تختبر غالبًا ما لا يُكتب لها البقاء والاستمرارية، لأنه لم يُصقل معدنها بعد ولم تتعرض لاختبارات الصمود. حتى أصحابها أنفسهم لا يمكنهم الجزم بأبديتها لأن صورة كل طرف عن الآخر لم تكتمل بعد.
 
فمن كنت تراه من قبل قدوة ولم يعد كذلك -برأيك الآن- ربما لم يك يومًا ما قدوة لأحد!! ووحدك من تصور ذلك.. أو لعلك أحببت أن تراه كذلك لتضيف لعالمك قدوة مفقودة ورمز يُحتذي به في وقت ندر فيه من نحتذي بهم.
 
ومن كنت تراه كاملًا لم يك كاملًا في الحقيقة، لأن الحقيقة الثابتة في هذا الكون أنه لا كمال إلا لله.. وأننا بشر نتحرى الصواب لكن لامفر من الحياد عنه لضعف أو سهو أو لقة حيلة.
 
هم لم يتبدلوا للأسوأ كما تظن ولاهبطوا بسقف توقعاتك حين ارتطمت توقعاتك بالأرض... هم لم يتغيروا من تغير هو أنت!!
 
هم لم يتغيروا... إما لأنهم في الأصل كانوا كذلك ولم تراهم بوضوح، وإما لأنك كنت تلميذًا في مدرستهم تنظر إليهم كنجم ثاقب في السماء، فلما تعلمت وبلغت ما بلغوه من فهم، رأيتهم بعين الواقع واستطعت أن ترى الحجم الحقيقي لكل شيء دون مبالغة منك أو انبهار.
 
كل ما في الأمر أنك ازددت نضجًا ووعيًا فصرت ترى الأشخاص والأحداث أكثر وضوحًا، وزال الوهج الذي كنت تحيطهم به في خيالك، من واقع اقترابك الفعلي بهم، وتطورت فكريًا ونفسيًا كنتاج طبيعي لنضوجك الفعلي.
 
والآن وبعد ما انكشفت لك حقيقة من تتعامل معهم، وبدأت في التعامل معهم على ضوء ما استجد، ليس بالضرورة أن تقطع أواصرك بهم، يمكنك التعامل مع من يختلفون معك بنسب متفاوتة.
 
ابحث عن عيوبهم ومزاياهم، بعض العيوب يمكننا استيعابها والتغافل عنها بل والتكيف معها أيضًا، خاصة إذا لم تؤثر على سلامتنا النفسية وشفافية تعاملنا معهم.
 
أما العيوب التي لا يمكننا التكيف معها ولا تمريرها، تلك العيوب التي تؤذي العلاقات أكثر مما تبنيها من فرط ما ينتج عنها من خلافات واستهلاك نفسي لطرفيها. في تلك الحالة لا يسعني غير أن أقول: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، كل ما عليك الآن هو أن تتلطف وترحل برفق.

 

التعليقات