هكذا علموه الصلاة

هكذا علموه الصلاة

كان الطفل الذي تجاوز عمره العشر سنين يلهو مع أترابه في الشارع وأمارات الفرح تكسو وجهه البريء من جراء لعبه " للحجلة " ، وكلما تفوق على أترابه كلما غزت السعادة قلبه ، حتى داهمه على حين غرة والده بصوته الأجش الذي ينضح بصرامة رهيبة مستدعيا طفله الذي لبى النداء هرولة ، وما إن أصبح على مقربة منه ، سأله عما إذا كان أدى صلاة العصر أم لا ، فأجاب الطفل نافيا ، فاستبد الغضب بوالده وشذره بنظرة نارية يتطاير منها شرر الغيظ فارتعد قلب الطفل وأحس بأنه على شَفَا جُرُفٍ هَارٍسيسقط به في قاع الجحيم ، وما هي إلا لحظات حتى لاحت له العصا الغليظة التي كانت قابعة بين يدي والده اللتين كانتا مشبكتين خلف ظهره ، وانهال عليه ضربا ، وجسد الطفل يقشعر بشدة وكأن ماس كهربي قد مسه ، وجاء صوت أبيه آمرا بذهابه للوضوء وأداء الصلاة ، فهرع الطفل نحو المرحاض وهو يشهق من البكاء ويتلوى من الوجع .

توضأ الطفل وفرش المصلية على الأرضية , وحينما نوى الصلاة وأخذ في تلاوة فاتحة الكتاب " بسم الله الرحمن الرحيم " ، أي رحمة تلك التي يدعيها هذا الإله وهو يجبره على الصلاة ويجعل من أبيه جبارا يعاقبه بقسوة ، وأي رحيم ذلك الذ يجعلني أتقرب إليه عنوة ورغم أنفي " !.

في هذا المشهد التراجيدي السابق ، يبدو لنا من الوهلة الأولى الفهم الخاطئ لصحيح ديننا الحنيف وذلك من خلال ممارسة طقوس سادية أبعد ما تكون عن روح الإسلام وذلك بالتعنيف والإرهاب على الصلاة , ويستندون على ذلك بالحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو داود " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين " ، وهذا ما يدعينا للتفكير في هذا الحديث من خلال القاعدة الفقهية التي تقول " لا إكراه في الدين " ، ومن المتعارف عليه بين جمهور العلماء أن الانسان يكلف عند البلوغ أو الاحتلام ، وبلوغ الحلم يكون على أقل تقدير في الثالثة عشر فكيف يكلف الطفل وهو لم يبلغ ! ، وكيف يضرب وهو لم يصل لمستوى النضج العقلي لتمييز الصواب من الخطأ ! .

والضرب في اللغة تحمل أكثر من معنى ، وما نريد الإشارة إليه أن فعل (اضرب) فعل أمر مبني متعدي لمفعول واحد على الضم لاتصاله بواو الجماعة وهو يفيد الحركة ولا يفيد الإيذاء الجسدي لعدم النص على الجزء الذي يؤذى .

والشاهد على ذلك ما جاء في قوله تعالى ( وَإِذَا ضربتم فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ ) (النساء : 101) والضرب هنا تعني الانتقال من المكان لآخر .

ومن هنا يكون المعنى الأقرب للمنطق هو اصطحاب الأب لطفله حينما يذهب لأداء الصلاة وذلك من خلال تعريف الطفل بطريقة مبسطة عن صفات الإله من رحمة وعفو حتى يشب الطفل وقد نمت في داخله بذور حب الإله وأضحت دوحة باسقة تفوح بالخشوع والتعلق بالله ، وحينما يعرف الطفل الإله الذي يقول في حديثه القدسي  الصحيح ( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلى ذراعا تقربت منه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ) .

فعندما يعرف الإنسان ربه معرفة حقيقية يتقرب منه وينذر نفسه من أجله ، بدلا من طريقة الإرهاب والتخويف التي تبعد الإنسان عن الخالق ، وحتى إن تقرب منه ، فإنه سيتقرب تملقا لا حبا ، فيكون كالمنافق الذي يمدح سيده خوفا من بطشه ، لذلك فإن أردتم أن تؤجلوا تحقق حديث الرسول الذي يقول " أول ما يرفع من أمتي الخشوع " لذلك ربوا أولادك على حب الإله واستمسكوا به لا تضلوا أبدا .

التعليقات