جندي شيكولاتة.. ودمية ملونة.. وأشياء أخرى

جندي شيكولاتة.. ودمية ملونة.. وأشياء أخرى

 

كنت أطالع الصفحة الرئيسية للفيسبوك كدأبي كل ثلاث دقائق حتى استوقفني تسجيل صوتي تتناقله الأيدي بلهفة لجندي شاب من جنود الوطن الرابضين في سيناء، الصوت لشاب ثلاثيني يتحدث بحماس - و بثبات انفعالي لا يمكن للأذن أن تخطئه بالرغم من هدير البنادق الآلية من حوله - عن احتمالية كون الدقائق التالية آخر دقائق في حياته و عن ثقته في الاستشهاد دون الذوذ عن كل شبر في  نقطته العسكرية الواقعة الآن تحت طائلة هجوم عنيف من قبل تنظيم داعش المسلح، فإما النصر  على الأعداء وإما اللحاق بالندماء ((يا نجيب حقهم يانموت زيهم))  .. هنا أُسقط في يدي..  شعور غريب سيطر  على عقلي واجتاحه؛ تذكرت مسرحية شهيرة لجورج برنارد شو تدعى Arms And the Man تتحدث عن أوزار الحرب الصربية البلغارية التي وقعت أحداثها في العام 1885، في المسرحية تعرفت البطلة البلغارية على جندي الحرب الصربية المرتزق والذي تسلق نافذتها ذات ليلة بحثًا عن ملجأ و أطلقت عليه لقب "جندي الشيكولاتة"؛ لأنه كان يحمل الشيكولاتة دائمًا في جيوبه عوضًا عن الذخيرة!

 لازال صوت العقيد أركان حرب أحمد المنسي  قائد الكتيبة 103 صاعقة يتردد في التسجيل الذي يُعاد للمرة السادسة؟ السابعة؟ لا أتذكر..  يعود إنشاء الكتيبة 103 إلي عصر نكسة 67حيث كانت جزء من المجموعة 39 قتال وهي مجموعة من القوات الخاصة تألفت من مزيج من قوات الصاعقة البرية (التي تأتي منها الكتيبة 103 ) و الصاعقة البحرية، تم تشكيل المجموعة كوحدة مقاتلة مستقلة تابعة لقيادة المخابرات و رئاسة الجمهورية، و قد شاركت تلك المجموعة  في حرب أكتوبر و فقدت قائدها ابراهيم الرفاعي في تلك الحرب..  النبرات الواثقة.. الشجاعة العارمة تعمل معولها في كل قناعاتي عن قدرة العقل الباطن على تحمل فكرة اقتراب الموت والوهن البشري الطبيعي في توقعه، في تجربة الطبيب الألماني المجنون بورهيف الذي كان يقوم بإجراء بعض التجارب "العلمية" على بعض المجرمين أو المحكوم عليهم بالاعدام مقابل السعر المناسب لذوييهم بالطبع، تم عصب عيني أحد المجرمين بعد إيهامه بأن عملية الإعدام ستتم عن طريق تصفية دمه، و تم تركيب خرطومين رفيعين على جسده و تم ضخ فيهما ماء دافئ بنفس درجة حرارة الجسم بحيث يقطر عند مرفقيه، وتم وضع دلوين أسفل يديه حتى تسقط فيهما القطرات وكأنها صوت قطرات الدم المسال، و بدأت التجربة المخيفة التي أفضت أن الرجل مات بالفعل! مات من قوة إيهام عقله الباطن لجسده أنه يموت، مات من مجرد توقع الموت، بينما رجلنا هنا يقهقه في وجه المنون، ماذا يحدث؟ تحركت يدي لتوقظ العفريت النائم "جوجل" ليجلب صورة لهذا الكائن الخرافي السوبر هيرو الذي يقود مدرعته في صدر الموت الفاتح ذراعيه ليدهسه فجاءني بصورة توقعتها على أية حال؛ بنية رجال الصاعقة المفتولة،البشرة الخمرية التي برعت الصحراء في خلط وتوزيع لونها، ملامح ذات وسامة سينيمائية كوسامة هاني عادل، أنا الآن أنظر إلي جندي شيكولاتة حقيقي، و ليس من نسج خيال مؤلف، في القصة الشُوية وقعت البطلة في غرام جندي الشيكولاتة حتى بالرغم من عدم إيمانه بالحرب، رومانسية كخضراء الدمن تمخضت من رحم المعاناة وربت في الظروف القاسية، ولكني لم أقع في غرامه، ليس الأمر بهذه السذاجة، ماحدث لي أشبه بتجربة الخروج من الجسد الشهيرة Out of Body Experience، مع متابعة ما يحدث في لحظاته الأخيرة مر شريط حياتي أنا أمام عيني! أحداث كثيرة ..شخوص كثيرة..حماقات كثيرة..أنا الآن في رحلة تأخذني للوراء أعوام بعيدة، بينما تدوي صوت الذخيرة الآلية للمرة الخامسة عشر ؟السادسة عشر ؟ لا أدري .لقد أضعت العد منذ زمن.

 امبراطورية داعش ، تأسست في العراق على يد أبو مصعب الزرقاوي في العام 2004 عندما كان مشاركًا في العمليات العسكرية ضد القوات التي تقودها الولايات المتحدة و الحكومات العراقية المتعاقبة في أعقاب غزو العراق عام 2003 ، يعتمد تنظيم داعش المسلح في التمويل على الدعم الأجنبي و احتلال الأراضي - ومن ثم السيطرة على البنوك واحتياطيات النفط -وفرض الضرائب على المدنيين والابتزاز و السرقة، و يهدف بشكل أساسي إلى إعادة الخلافة الاسلامية و تطبيق الشريعة؛ لذا فبإمكانك أن تتخيل أن العالم بأسره بالنسبة له ساحة حرب، وأن حكوماته بأسرها زنديقة كافرة، يتمركز التنظيم في شمال سيناء- لا سيما العريش والتومة و جبل الحلال -حيث يسهل تسلل السلاح و الدعم اللوجيستي للتنظيم من قطاع غزة عن طريق أنفاق التهريب، ويعتمد بشكل مكثف على إمدادات بعض القبائل البدوية هناك، كما أن الطبيعة الجغرافية لشمال سيناء مليئة بالسهول والوديان مما يسهل الاختباء بها، يبدو أن كتيبة 103 تتصدى لهذا الواغش في هذه اللحظة بالذات، نحن في حرب اذن! إن ما يحدث لا يحدث في الريفييرا الفرنسية ولا في المالديف الأسبانية، إن ما يحدث يحدث في سيناء الخاضعة بشكل كامل -بكل شبر فيها - للسيادة المصرية بموجب كامب ديفيد مهما اتفقت أو اختلفت مع سياسات الرئيس الراحل السادات، إن ما يحدث يحدث في مصر، اذن نحن في حرب ، كيف لم ينتبه أحد الي تلك الحقيقة؟؟ أين الإعلام؟ أين الصحافة؟ أين الدراما التي طالما صوّرت أكتوبر  وأمجاد أكتوبر؟ إن التاريخ يُكتب من جديد يا سادة والأرض تُروى بالدماء.. أين الجميع؟؟

أنا الآن أقف على رمال أحد الشواطىء بالاسكندرية، يدي تمسك يد أبي- رحمه الله- ، و يدي الأخرى تشد مقبض طائرة ورقية تحلق في الهواء، نتمشى سويًا ..الحياة جميلة و الشمس مشرقة و الغد أفضل..الطائرة ترفرف بعيدة بعيدة..كل هذا الأمان..لقد خاض جيل أبي حرب أكتوبر وقاتل ببسالة حتى انتزع لنا النصر و الاستقرار ..لقد انتهى كل شىء..ليس هناك حروب أخرى.. لن تُسال دماء أخرى .. لن نرقى إلي مستقبلنا على أشلاء الأبطال بل سنطير إليه على أجنحة الروبوتات والمركبات الفضائية التي سيقدمها لنا التقدم العلمي عن طيب خاطر، هذا ما يعدنا به رمل الشاطىء و شعاع الشمس البرّاق، و هما لا يكذبان..كل هذه السعادة..أكان يعلم أبي أننا سنستيقظ في شبابنا ذات يوم لنجد أنفسنا في خضم حرب لا تقل وطأة عما عاصروه؟ أكان يعلم أننا سنرى الدماء والخراب من جديد بينما لا يدرك أحد ما يحدث و لا يعي أحد ما يدور؟

أتذكر الآن خلافاتنا الصغيرة  ..إصراري على ارتداء "ميني جيب" في درس الثانوية العامة.. إصراره على مشاركتي في ملىء استمارة التنسيق..أتذكر  لحظاتنا الحلوة..الهدية التي أحضرها يوم نجاحي في السنة الأولى من الجامعة..أتذكر يوم رُفِضت في مقابلة وظيفة أحلامي و أصررت على تحسين مستواي  و التقدم لها من جديد حتى قُبلت ..أتذكر فرحة الترقية.. أتذكر وجع الحب.. أتذكر الغضب لأن ليس لدي المال الكافي لشراء ما أحتاجه في أوكازيون هذا العام، و أتذكر الغضب لأن معي المال الكافي و ليس لدي الوقت لشراء ما أحتاجه في أوكازيون هذا العام..أتذكر ضحكة ابنتي الصغيرة وأتذكر  بكائها عندما لم أستطع الوفاء بوعدي في أخذها للملاهي في العيد..أتذكر و أتذكر ولا أدري لما أشعر -كلما أمعنت في التذكر -أني دمية ملونة، و أن حياتي كلها -بأحداثها و شخوصها و حبكاتها -تقع في أرض الدُمى الملونة حيث الحياة أقل صخبًا و أهدأ طبعًا، مئات التفاصيل الملونة التي بالتأكيد لا تُقارن بخشونة حياة الجنود من مقاتلي الصاعقة الملقبين ب "الفدائيين"، بالتأكيد ما يحدث في الحياة اليومية ليس بغلظة ما يجري الآن بمدرسة الصاعقة ب"أنشاص"  في الشرقية حيث يتم إعداد الفدائيين، لابد أن ظباط الكتيبة 103 يتم نزع الرتبة عنهم الآن و تفريقهم استعدادًا لبدأ التدريبات المكثفة على فنون القتال و الاشتباك الحر و صد الضربات بالأيدي و استعمال سونكي البندقية الآلية عند نفاذ الذخيرة و التكدير العنيف المتمثل في الإنقطاع عن النوم نهائيًا لأيام طويلة و المرور من الموانع المحاطة بالنار والعبور ببرك المياة الموحلة و اصطياد الثعابين و الضفادع و أكلها، في علم البرمجة تعبر نقطة التوقف " breakpoint " عن "وقفة" يضعها المبرمج عن عمد في البرنامج الذي يقوم بتصميمه لتصحيح الأخطاء التي حدثت "أثناء عملية البرمجة، في علم النفس السلوكي تشير نقطة التوقف الي نقطة الذروة التي تصل اليها النفس البشرية في تحمل الضغط ومن ثم تبدأ في الانهيار، اذا لم يغير  المرء التعرض اليومي لمثل هذه النقاط.. ماذا يغيره؟

إن ما يحدث الآن ملحمة مصرية تاريخية بحق؛ أبطال تلك الكتيبة و غيرها وغيرها يقدمون حياتهم طواعية بشكل مستمر من أجل أن نحيا نحن في مدننا الملونة ونغرق -آمنين- في تفاصيلها الملونة، هل يستطيع أحدنا تخيل ما يمكن أن يحدث اذا ما دق الدواعش أبواب تلك المدن؟ هل تستطيع أجسادنا البلاستيكية الهزيلة الحمقاء صد هذا النوع من الطوفان؟ كنت أنظر  الآن -وقد خبت كل الأصوات- لخبر استشهاد قائد الكتيبة و عدد ليس بالقليل من أفراد كتيبته، لا أدري لماذا تذكرت رائعة الكاتب الأمريكي ليمان فرانك بوم  L. Frank Baum  "ساحر أوز الرائع "The Wonderful Wizard of Ozوالتي تم تحويلها الي فيلم سينيمائي عام 1939، كانت الطفلة البطلة تحرك خفيها الحمراوين على الأرض كلما أرادت أن تعود الي المنزل وهي تردد" لا مكان مثل المنزل No Place Like Home" ،تذكرت قول امرأة عجوز لطيفة لي ذات يوم أن من يموت إنما يعود إلي الديار ..يعود إلى المنزل..ربما قد وجد الجندي -وأبي- الطريق أخيرًا إلي منزليهما، ربما هما الآن صديقان يتنزهان على ضفاف شواطىء بعيدة، ويتحدثان في كل ما كان، سأحاول أن أهدأ، سأحاول أن أتغاضى عن صغائر النقاشات مع من يعيشون معي تحت سقف واحد ، سأحاول أن أحافظ على ربطة جأشي أمام ارتفاع الأسعار؛ بالتأكيد هناك من يحاول خفضها، اقتصادنا مترنح ومر بالكثير ولسنا ملوك نفط،  فلنهدأ اذن، رعونة القيادة؟ بالتأكيد الجميع لا يروون أمامهم بسبب ضغوط الحياة اليومية، خلافتنا السياسية؟ لن تُحل اليوم ولا غدًا، و لكن هناك من دفع حياته ذاتها ثمنًا لأن نحظى بأرض تسمح بنشوء صراعات سياسية من الأساس، لن أقنط في اليوم مائة مرة ثانية، لن أطيل وقوفي  في "نقاط التوقف" عند وصولي إليها ثانية، لن أخبر توني صديقي الأمريكي ألا يأتي إلي مصر حتى تهدأ "الأحداث"؛ فلتذهب الأحداث الى الجحيم، و ليأت توني ورفقائه ليشهدوا ما يحدث، ليأت الجميع وليرقبوا كيف تتم صناعة الأبطال الحقيقين وليس أبطال أفلام الإثارة الملونين.

 سأئتمنك ثانية يا مصر  وأأمنك وأؤمن بك.

التعليقات