قريتي الحبيبة جدًّا

قريتي الحبيبة جدًّا

 

في قريتي الفقيرة جدًّا، بُنيت أربع مآذن! ألم يكن من الأفضل الاكتفاء بواحدة، واستغلال المال في بناء مشروع ينفع البلد "صرف صحي، بريد، عربة تجوب الشوارع وتنقل القمامة، صناديق زبالة على الترعة...".

في قريتي الغيورة جدًّا، وجد الشاب أخته تحدث شابًا في الهاتف، فضربها ضربًا مبرحًا وكسر الهاتف، لَمَّا لم يعلم من هذا الشاب، وحرَّم على أخته أن تخرج من البيت أو تمسك هاتفًا، واشترط على والديه تزويجها بأول رجل يأتي، وظل طيلة الليل يحكي لحبيبيته في الهاتف عن هذا الشاب عديم المسئولية، الذي يحدث بنات الناس في منتصف الليل، دون أن يراعي حرمة أو يحفظ أدبًا.

في قريتي المتدينة جدًّا، التي فيها أكثر من عشرة مساجد كبيرة بخلاف الزوايا، وكنيسة ربما هي الأكبر بين القرى التي تحوطنا، يسب الناس الدين بعضهمبعضًا، ويلقون الزبالة في الشارع وفي الترعة، ويجلسون على الكوبري يتفحصون كل غادية ورائحة، ويغتابون كل من يمر، ويجلسون على القهوة يلعبون الضُمنة ويدخنون، ويسبون ويلعنون...

في قريتي العَالِمة جدًّا، جماعات شتَّى تكاد تحتكر الدين، وكل منهم يدعي الصواب، ولولا الحياء وبعض الفَهم، لكفربعضهم بعضًا، يجلسون ويتجادلون ويخطئِّون ويصوِّبون، وإذا ما نودي إلى الصلاة، لم يكد المصلون يكملون صفا، يؤمهم رجل ستيني يجر الفاعل مرغمًا، ويرفع ما ينبغي نصبه.

في قريتي التي تكاد تتسولالخبز، شاب يدفع مهرًا مئة ألف، وأب لبنت-لا تساوي قرشًا-يطلب المزيد، شباب يسافرون وراء لقمة العيش إلى (القاهرة، ليبيا، الأردن الكويت، السعودية...) وكل ما خلق الله من بلاد، ويعودون شيوخًا أو قتلى أو غرقى.

في قريتي المربكة جدًّا، محترمون مختفون، حمقى ظاهرون، كرماء فقراء، وملعونون أغنياء، متواضعون ومتكبرون، صادقون وكاذبون، حقيقيون ومدعون، مهاجرون بلا أنصار، باحثون عن لقمة العيش قبل نور الصباح، وساهرون حتى الفجر يحتسون الخمر ويلعبون القمار، خطباء على المنابر يدعون للحكام ويحرمون خلط السياسة بالدين.

في قريتي،شاب يجلس في الشرفة يداعب النجوم، ويسامر القمر، ويدعو رب القرى أن يرعى الأرامل والمساكين واليتامى والمحتاجين،ويأخذ الأغنياء البخلاء والمنافقين والقودين والسياسيين... يسمع نداء زوجته، وصراخ طفله، فيقطع الصلاة ولا يكمل المقال، لكنه أبدًا لا ينام.

التعليقات