الضمير «الوحش الذي نربيه بداخلنا»

الضمير «الوحش الذي نربيه بداخلنا»

أول ما يتبادر لذهننا حينما نستمع إلى كلمة ضمير ، إنه الشيء الذي في داخلنا الذي يردعنا دوما محاولا كبح جماح شهواتنا وغرائزنا التي تتنافى مع العرف والقيم والتقاليد والدين ، وعلى عكس ذلك ، حينما يشرع الإنسان في إتيان الأفعال الأخلاقية السامية كالتسامح والاجتهاد في العمل ,أو عندما يواظب على تأدية الطقوس الدينية كالصلاة والزكاة فإنه يشعر بينابيع السلام النفسي والسعادة تتدفق في داخله , ولأن السعادة في الكثير من المذاهب الفلسفية الأخلاقية تعتبر الغاية القصوى للفعل الأخلاقي في كل مذهب ، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال إتيان فعل خير يتناسب مع العقل ويرضي الضمير .

  وبهذا التحليل البسيط يبدو لنا من الوهلة الأولى أن الضمير فطري ، يولد مع ميلاد الجنين من رحم الأم وهذا ما ذهب إليه الكثيرون من الفلاسفة , أشهرهم " جوزيف بطلر " الذي له دور بارز في انتشار فلسفة الضمير وذيوع صيتها , حيث يرى أن " الضمير هو قوة فطرية كامنة داخل الإنسان وهي التي تلزمه بضبط نزواته والحد من أهوائه وشهواته ، وتوجهه إلى حيث ينبغي أن يسير ، والإنسان يتميز عن الحيوان بهذا الضمير " .

  ويرى بطلر أن للضمير وظيفة عقلية نظرية وأخرى آمرة ناهية ، حيث أننا ننظر إلى العبارات التي يقولها الضمير على أنها عبارات ملزمة فهي تأمر بعمل الفعل الذي يستحسنه وترك الفعل الذي يستهجنه .

  ومن خلال هذه الآراء التي طرحها " بطلر " فإن المنطق يحتم علينا طرح بعض الاستفسارات لإظهار خلل تلك النظرية وبطلانها بالكلية ، فإذا كان الضمير فطري يخرج للحياة مع خروج الجنين من الرحم ، فإنه لزاما أن يكون لدى كل الناس هذا الضمير ، وحيث أنه فطري فسيكون متطابقا عند الجميع وينتج عن ذلك بأن الفعل الأخلاقي الخير والفعل المذموم سيكونان واحدا عند الجميع ، وهذا خطأ فادح يتجافى مع المنطق والبديهة ، لأن الفعل الأخلاقي متغير من مجتمع لآخر ومن بيئة لأخرى .

  ومثال على ذلك : الثأر في الصعيد يعد واجبا وفعلا يتسم بالشهامة والشجاعة وبالتالي فهو أخلاقي لأنه يؤدي إلى السلام النفسي والراحة الداخلية ، في حين أن الإعراض عنه يجعل من صاحبه أضحوكة للجميع ، وينعت بأقذع الشتائم ويجرد من صفات الرجولة مما يجعل صاحبه في حالة تشتت ويؤدي إلى الصراع الداخلي وعدم اتزان الضمير وبالتالي يكون فعلا غير أخلاقيا في إطار المجتمع الصعيدي ! ، على عكس ذلك نجد في مجتمع آخر أن هذا الفعل غير أخلاقي ويتنافى مع القانون ويوصف صاحبه بالرجعية والتخلف .

  ومن هنا ، كيف يكون الضمير فطريا وأساسا للأخلاق ـ وتفسيره لما هو أخلاقي وواجب وغير أخلاقي وغير واجب متغير من مجتمع لآخر ومن بيئة لأخرى ؟! .

  وإذا ذهبنا إلى علم النفس فسنجد ما طرحه فرويد في غالبه أقرب للمنطق وللعقل في تعريفه للأنا الأعلى " الضمير " " إنها شخصية المرء في صورتها الأكثر تحفظا وعقلانية ، حيث لا تتحكم في أفعاله سوى القيم الأخلاقية والمجتمعية والمبادئ ، مع البعد الكامل عن جميع الأفعال الشهوانية والغرائزية " ، ويرى فرويد أن الأنا الأعلى يتكون من ما يتعلمه الطفل من والدته ومدرسته والمجتمع من معايير أخلاقية ، والأنا الأعلى مثالي وليس واقعي ويتجه للكمال لا إلى اللذة .

  ومع طرح فرويد الذي يبدو منطقيا إلى أنه وقع في عدة هفوات ، حيث أنه لم يوضح ما هي المثالية التي يسعى إليها الأنا الأعلى ، وهل هي واحدة عند الجميع أم تختلف من فرد لآخر ، فمثلا إذا نظرنا إلى مجتمع كمجتمعنا فسنجد الأفعال الأخلاقية وتحديد ما هو صواب وما هو خطأ وإن اتفق في معظمها المسلمون مع المسيحيين إلا أنهم يختلفون في أشياء عديدة ، فمثلا لي يصل الأنا الأعلى إلى المثالية ويسعى للكمال عند المسلم فلابد له وأن يمتنع عن تناول لحم الخنزير والخمر على عكس ذلك المسيحي .

  ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن الأنا الأعلى يصل إلى المثالية ويكون أقرب للكمال في حالة امتثال الفرد للخبرات التي اكتسبها والقيم والأعراف التي نالها من الدين أو من قواعد المجتمع وقوانينه ، ويختلف ذلك من فرد لآخر ، ويكاد لا ينطبق على فرد ما ينطبق على الآخر .

  فالضمير هو الوحش الذي نربيه بداخلنا ، نطعمه من ذروع عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا ونسقيه من قواعد الدين ومبادئ المجتمع الأخلاقية حتى يترعرع بعد أن نكون بنينا 90 % من خبرتنا وتصورنا للواقع وإدراكنا للمجتمع ، ويصبح هو من المحددات التي تحكم على الفعل إذا كان أخلاقي أو غير أخلاقي ، فيغرز أنيابه الضارية في دواخلنا إذا اقترفنا فعلا يتنافى مع ما أطعمناه من قيم وأشربناه من أعراف وتقاليد ، أو يهدأ إذا جانب فعلنا الصواب على حسب ما ربيناه عليه ويعيش  في تناغم تام مع الشخصية بأكملها ، وبعبارة موجزة " الضمير هو المرآة التي تعكس ما تعلمناه وما اكتسبناه من خبرات وقيم وأعراف ومبادئ أخلاقية سواء كانت نابعة من الدين أو المجتمع " . 

التعليقات